
,مهندس/ طارق الخير يكتب،، السودان تلاحم الحضارات وبزوغ الهيمنة الجديدة
على مر التاريخ لم يكن السودان مجرد رقعة جغرافية تسكنها قبائل وشعوب متناثرة، بل كان ولا يزال عبارة عن حضارات و ملتقى الثقافات وميداناً لدحر و سحق و مناهضة القوى الاجنبية التي تسعى لبسط نفوذها على هذه الأرض العظيمة.
وما يغيب عن الأذهان حتى لدى أعمق الباحثين هو أن الصراع الداخلي الدائر اليوم في السودان ليس مجرد نزاع على السلطة أو الموارد ولا هو نتاج أزمات اقتصادية أو مطالب هامشية بالعدالة، بل هو صراع جوهري بين حضارات ضاربة بجذورها في عمق التاريخ تحاول أن تلتحم في كيان واحد لتعزيز و تجديد هوية الارض الي السودان وتعيد ترسيم خرائطه وفق مفهوم جديد للهيمنة.
ففي شمال السودان تتجلى عظمة الحضارة النيل النوبية بحضارتها العريقة الممتدة لآلاف السنين حيث الممالك العظيمة التي حكمت العالم وازدهرت والتي لا تزال آثارها تروي قصص المجد والتفوق باقة أما غرب السودان فهو موطن حضارات صحراء أفريقيا متفردة، ذات أنظمة حكم ونسيج اجتماعي متماسك ارتبطت لقرون طويلة بممالك إسلامية امتدت عبر الصحراء الكبرى وربطت القارة بآفاقها البعيدة.
أما الشرق فقد كان البوابة التي عبرت من خلالها قوافل التجارة، ومزيج التأثيرات العربية والإفريقية، ما جعله نقطة التقاء بين عالمين. أما الجنوب والوسط، فقد شكّلا القلب النابض للسودان، حيث تتداخل الثقافات وتتفاعل، مشكلةً بؤرة التمازج الأكبر، التي تحمل إمكانيات النهضة والاندماج القومي العميق.
إن هذه الحضارات بكل تنوعها وعمقها لم تندمج بشكل طبيعي بعد بل كانت على مدى العقود الماضية في حالة تنافر وصراع لا بسبب اختلافاتها الجوهرية ولكن بسبب غياب مشروع وطني قادر على صهر هذه القوى في بوتقة واحدة. لكن اليوم، ومع اشتداد الصراع، ومع انهيار النظم القديمة التي قامت على الهياكل الهشة بدأت مرحلة إعادة التشكل، وبدأ السودان يقترب من لحظة فارقة في تاريخه: لحظة ولادة هيمنة جديدة، لا تقوم على إقصاء طرف لحساب آخر، بل على اندماج هذه الحضارات في كيان واحد، قادر على فرض نفسه في المنطقة والعالم.
المؤسسة العسكرية: العمود الفقري للسودان وصانع الهيمنة القادمة
وكذلك عبر التاريخ لم تكن المؤسسة العسكرية في السودان مجرد قوة نظامية تحمي الحدود وتفرض الأمن بل كانت تجسيداً للروح السودانية انعكاساً لتاريخ طويل من المقاومة والصمود، ووعاءً يجمع شتات الحضارات التي صنعت هذا الوطن. فهي ليست مجرد جيش، بل هي السودان نفسه في هيئة مؤسسة، وهي المؤسسة في هيئة السودان. بها تلتقي الحضارات، وتذوب الفوارق، ويتحول التعدد إلى قوة لا تُكسر.
لقد حاول الأعداء، داخلياً وخارجياً أن يمزقوا السودان عبر استهداف قلبه النابض: مؤسسته العسكرية بل حاولوا تفتيت الجيش كما فتتوا دولاً أخرى وحاولوا زرع الشك في داخله كما زرعوه في مؤسسات غيره لكن السودان أثبت أنه قادر على الثبات رغم كل العواصف. فالمؤسسة العسكرية ليست كياناً منفصلاً عن الشعب بل هي انعكاس له، وهي خلاصة تاريخه، ومجده، وطموحه الذي لا ينكسر.
ورغم المؤامرات التي حيكت، ورغم الحروب التي حاولت أن تلتهمه، ينهض السودان اليوم من بين الركام، أقوى مما كان، وأكثر صلابة مما ظن أعداؤه. لن يسقط السودان، ولن يتلاشى في زحام الأمم، بل سيزدهر رغم أنف كل من راهن على ضعفه، وسيهيمن رغم أنف كل من تآمر على وحدته، وسيكون رقماً صعباً في معادلة العالم رغم أنف كل من حاول كسره.
إن السودان القادم لن يكون تابعاً لأحد، ولن يكون ساحة لصراعات الآخرين، بل سيكون قوة مستقلة بذاتها، تصوغ مستقبلها بيدها، وتعيد ترتيب المشهد الإقليمي والدولي وفق رؤيتها الخاصة. ولن يكون ذلك إلا بفضل المؤسسة التي حملت السودان على أكتافها منذ فجر التاريخ، وظلت عصيّة على الكسر، لأنها ليست مجرد جيش، بل هي روح الأمة، وعنوان هيمنتها القادمة.
وهذه الارض لنا ...
إن الهيمنة الجديدة التي يتشكل السودان في رحمها لن تكون مجرد هيمنة سياسية أو عسكرية، بل ستكون هيمنة حضارية، قوامها القوة المستمدة من هذا التنوع، ومن إرث الشعوب التي لم تُكسر عبر التاريخ، رغم كل محاولات الطمس والتفكيك. إن هذا السودان القادم، بتركيبته المتجددة، سيكون قادراً على إعادة صياغة دوره الإقليمي، والتحول من ساحة نزاع إلى مركز تأثير، ومن تابع للقوى العظمى إلى لاعب رئيسي في معادلة التوازنات الدولية.
التاريخ لا يرحم الأمم التي تفرّط في فرصها، كما أنه لا يمنح الفرصة ذاتها مرتين. والسودان اليوم يقف عند مفترق الطرق، بين أن يكون مشروعاً ممزقاً بفعل الانقسامات، أو أن ينهض كقوة لا تُقهر، قادرة على فرض نفسها كفاعل رئيسي في منطقة لا تعرف سوى الأقوياء. السودان لم يكن يوماً هامشياً، ولن يكون، والسودانيون لم يكونوا يوماً أتباعاً، بل كانوا صناع تاريخ، وشهود حضارة، وحاملي مشاعل المجد. والمستقبل، كما كان الماضي، يُصنع باليد التي تمتد إليه، [لا باليد التي تنتظر عطايا الآخرين] بالله كنا ومع الله سرنا وبالله بقينا ..
الله اكبر الله الله اكبر
لا إلهَ إلا اللهُ وحدَه ، صدَقَ وعدَه ، ونصَرَ عبدَه ، وهزمَ الأحزابَ وحدَه .
وكل عام وانت بخير
مقال بقلم ..... ✍️ م. طارق الخير محمد احمد
مشاركة الخبر علي :