د.سعاد فقيري تكتب: من النظر إلى البصر: نداء إلى السفارة السودانية بالقاهرة بشأن أزمة الطلاب
في القرآن الكريم فرق الله سبحانه بين النظر و البصر، فالنظر هو الرؤية السطحية العابرة، بينما البصر هو الرؤية العميقة الواعية التي تدرك وتحيط بالأمور. قال تعالى: {وتراهم ينظرون إليك وهم لا يبصرون} [الأعراف: 198]. ولهذا أمرنا الحق جل وعلا بغض الأبصار لا بغض الأنظار، لأن البصر أعمق وأقوى. اليوم، يقف آلاف الطلاب السودانيين في مصر عند هذه المفارقة المؤلمة: فالسفارة السودانية بالقاهرة تنظر إلى قضاياهم، لكنها لا تبصر عمق معاناتهم. هؤلاء الشباب أنهوا دراستهم منذ أكثر من عامين، ولا يزالون ينتظرون حقهم في مزاولة المهنة المؤقتة، في ظل فراغ إداري طال أمده وأرهقهم وأرهق أسرهم. إنّ ضياع هذه الطاقات البشرية المتميزة خسارة جسيمة للوطن. فهؤلاء الخريجون هم ثمار سنين من التعليم، وهم رأس المال البشري الذي يحتاجه السودان بشدة في مرحلة إعادة البناء بعد الحرب. تعطيلهم لا يعني مجرد تأخير إداري، بل هو تجميد لمستقبل أمة بأكملها. المسؤولية هنا جسيمة، وتقع على عاتق سفارتنا التي هي بيت الوطن في المهجر. السفارة مطالبة بأن تتحول من النظر إلى البصر: أن تبصر الأزمة بعمق لا أن تكتفي برؤيتها من بعيد. أن تبادر بتنسيق عاجل مع وزارات التعليم والصحة في السودان لإيجاد آلية واضحة وعادلة لتوثيق الشهادات. أن تعمل على إيجاد حلول انتقالية مؤقتة تمنح الطلاب حقهم في مزاولة المهنة إلى حين اكتمال الإجراءات الرسمية. وعلى كل من تولى منصبًا عامًا أن يتذكر أن العمل العام تكليف وليس تشريفًا، وأن الأمانة التي يحملها ليست مجرد صلاحيات إدارية، بل مسؤولية سيسأل عنها يوم القيامة أمام الله العدل الجبار. فليعلم المسؤول أن كل طالب ضاع مستقبله أو تأخر رزقه بسبب تقصير أو إهمال، هو شاهد عليه يوم الحساب. إن الشباب السوداني في مصر يستحق أن يُعامل كبذرة أمل لا كملف معلق. ويكفي أن نتذكر قوله تعالى: {قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم}، فالغض هنا دعوة إلى ضبط البصر واستثماره في الخير، والسفارة مطالبة بأن تغض بصرها عن البيروقراطية والتعقيدات، وأن تبصر جوهر القضية: مستقبل السودان يبدأ من أبنائه. نداؤنا للسفارة السودانية بالقاهرة: تحركوا قبل أن يذبل أمل الطلاب، فإن النظر لا يغني عن البصر، والبصر هو وعي ومسؤولية وعمل، ومسؤولية يسألكم الله عنها يوم القيامة.
مشاركة الخبر علي :