عبد اللطيف السيدح يكتب: إنذار أخير، وكارثة فشل حج السودان تلوح في الأفق. حكومة كامل إدريس أمام لحظة الحقيقة.
في وطني كل شيء يموج ويضطرب، كل شيء يتكاثر، ويتفاعل، حتى الجمادات تُشارك في هوس اللحظة، والشجر يهتزّ، والحجر يتأوّه، والبشر بين لهيب السياسة وزمهرير الأزمات، كل شيء يتحرك، يسلب أو يمنح، إلا شيء واحد ظلّ كالثوب المنسيّ في زحام غرفة مغلقة، شيء لم تمسّه ذرة اهتمام، ولم ينله من الدولة سوى التجاهل المقصود،إنه ملف النداء الإبراهيمي ملف حجاج السودان .
ذلك النداء الذي استجاب فيه خليل الرحمن لتوجيه ربه.
(وأذّن في الناس بالحج يأتوك رجالاً وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق).
فأتوه من قبل، وسيأتونه هذا العام،رجالاً، ونساءً، والأفئدةً تهوي إلى البيت العتيق.
سيأتون من وراء البحار، ومن مطالع الشمس ومغاربها.
سيأتون ليشهدوا المنافع، ويؤدوا الركن الخامس، ويعودوا كيوم ولدتهم أمهاتهم.
كل دول العالم التي تحترم نفسها وتحترم شعوبها فرغت من ترتيبات حجها لعام 1447 هـ.، وأنهت إجراءاتها، ونفّذت المصفوفة، وعقدت الاجتماعات، وسافرت وفودها، واستفادت من خبراتها، وشكرت المملكة العربية السعودية قيادةً وحكومةً وشعباً على الدعم والتسهيلات.
كل ذلك تم وفي نهاية الترتيبات جلس مسؤولوها على مقاعدهم مطمئنين، وقالوا
الحمد لله الذي يسّر.
هل تعلمون أن كل ذلك حدث حقيقة إلا في السودان، إلا في البلد الأقرب جغرافياً لمكة المكرمة والأبعد إدارياً وتنفيذاً عن شعيرة الحج، البلد الذي كان ينبغي أن يكون الأسهل، صار الأصعب.
والأقرب أصبح الأبعد!
والأولى بالرعاية صار الأخير في قوائم الدول المتأخرة!.
(الجريمة لا تحتاج إلى دليل)
ما يحدث في ملف حج السودانيين هذا العام ليست فوضى عابرة،
ولا خلل إداري كما يقولون عند وقوع الكوارث، إنه بكل وضوح جريمة مؤسسية تُرتكب في وضح النهار،
وسيعاقب الله عليها الحكومة المدنية قبل أن يعاقبها التاريخ.
كيف يُعقل أن يكون رئيس الحكومة محاطاً بجدار فولاذي يحجب عنه الحقيقة؟
كيف يُعقل أن يُدار واحد من أهم ملفات الدولة بهذه الطريقة الكارثية؟
كيف يُعقل أن يصدر رئيس الوزراء قراراً بتعيين أمين عام جديد للمجلس الأعلى للحج والعمرة ليلحق بالموسم، ثم يأتي وزير الشؤون الدينية والأوقاف في اليوم التالي ويوقف الرجل عن العمل في سابقة لم تحدث في تاريخ السودان؟
كيف لمسؤول أن يدوس على قرار رئيس وزراء في حكومة يفترض أنها مدنية وديمقراطية؟
كيف يُقذف بقرار رئيس الوزراء في البحر المالح بلا مساءلة، بلااستجواب، بلا استدعاء، بلا توبيخ؟
فهذه ليست إدارة دولة
هذه ليست حكومة أمل
هذه حكومة تتجاهل حقاً من أعظم حقوق المسلمين، حقهم في الوصول إلى البيت الحرام.
يافخامة رئيس مجلس الوزراء أنت مسؤول أمام الله، نعم أنت مسؤول أمام الله، وأمام التاريخ، وأمام عشرات الآلاف من السودانيين.
الذين ادّخروا أعمارهم، وجمعوا مدّخراتهم، وباعوا الأرض، والذهب، والأنعام، باعوا أغلى ما يملكون وينتظرون دورهم ليقفوا على صعيد عرفات.
فخامة رئيس الوزراء أنت مسؤول عن أي فوضى تحدث في هذا الملف الحساس، ومسؤول لأنك تملك القرار ولم يُنفذ، ومسؤول لأنك تُحاط بمن لا يخافون الله.
فخامة رئيس الوزراء
إن حققت حكومتك نجاحاً بنسبة 100٪ في كل الوزارات الأخرى،
ثم سقطت في امتحان تنظيم الحج، فإن شهادة الخسران المبين ستُحرر لها، وستظل وصمة لا يمحوها خطاب ولا يبررها بيان.
فخامة رئيس مجلس الوزراء هل تعلم حقاً ماذا يحدث؟ هل تعلم أن وزير الشؤون الدينية كف يد الأمين العام الذي عيّنته أنت ومداد قلمك لم يجف حتى الآن ؟
هل تعلم أن الوزير عطّل المصفوفة وقطع الطريق أمام ترتيبات الحج؟
هل تعلم أن كل العالم فرغ إلا السودان؟
هل تعلم أن كل ساعة تمر الآن تُقربنا من سيناريو لم يحدث في تاريخ الدولة السودانية.
سيناريو غياب السودان عن موسم الحج لأول مرة منذ آلاف السنين؟
إن لم تكن تعلم، فهذه مصيبة،وإن كنت تعلم فالمصيبة أعظم.
السادة رئيس مجلس السيادة،
السادة وزراء حكومة الأمل
إن أزمة الحج ليست أزمة وزارة، بل أزمة دولة، وأي فشل فيها ليس فشل الوزير فقط، بل فشل الحكومة كلها.
والتاريخ لا يكتب التفاصيل، التاريخ يكتب النتيجة فقط.
فخامة رئيس الوزراء نخشى أن نجلس يوماً نقلب في الدفاتر، فنجد مكتوباً فيها،لقد غاب في عهد الدكتور كامل إدريس السودانيون عن مكة المكرمة، والمشاعر المقدسة، والمدينة المنورة.
أي عار هذا؟
أي عثرة؟
أي سقوط للدولة؟
هل ننتظر كي يصبح هذا حقيقة؟
فخامة رئيس الوزراء إن الحج شعيرة، من أقدس شعائر الإسلام، تتطلب رجلاً يخاف الله، وليس وزيراً مغرماً بالمعارك الصغيرة، مدفوعاً من مراكز نفوذ، يتصرف وكأن الوزارة ملك خاص له، لا جهة عليا فوقه ولا رئيس وزراء يردعه، وإن لم يُكبح جماح من يقف حجر عثرة أمام تنظيم الشعيرة، وتُقطع يد العبث، فستُحرر شهادة للتاريخ عنوانها
(في زمن كامل إدريس، ضاع حج السودانيين).
فخامة رئيس الوزراء الوقت ينفد وليس لدينا ترف الوقت، ولا ترف المجاملات، ولا ترف الخوف، ولا ترف التجريب، ولا ترف التسويف، ولا ترف تحريك عقارب الساعة إلى الخلف.
إن إعادة الأمور إلى نصابها تتطلب قراراً شجاعاً، يُعيد للمجلس الأعلى للحج والعمرة هيبته وسلطته،
ويُعيد للأمين العام عمله،
ويُزال كل من يحاول إغلاق طريق الحج، لأن ثقة السودانيين في حكومة الأمل تتبخر، فإن لم تتخذ قراراً حاسماً في بحر هذا الأسبوع، فاعلم أن الصفحة السوداء ستُكتب، والدموع ستسقط من أعين أهل السودان وهم يشاهدون العالم كله يقف في عرفات إلا هم.
فخامة رئيس مجلس الوزراء نكتب لا خوفاً من أحد إلا الله وحده، ولا بحثاً عن مجد، بل حملاً للأمانة، فلقد ظللت طوال مسيرتي مهموماً بملف الحج ،متابعاً له، عارفاً بتفاصيله وخباياه.
وأقولها بكل وضوح.
إن وقعت الكارثة هذا العام، فإن المسؤولية تقع كاملة على عاتق
رئيس مجلس السيادة.
نائب رئيس مجلس السيادة.
رئيس مجلس الوزراء.
وزير الشؤون الدينية والأوقاف.
وأعضاء حكومة الأمل جميعاً دون استثناء.
التاريخ لا يرحم
والله لا يغفل
والأمة لا تنسى
أكتب هذه الرسالة
وأرى سحابة قاتمة تلوح في الأفق وإن وقعت الكارثة فإن إسعاف الطواريء سيفشل في إنقاذ الحالة.
مشاركة الخبر علي :
