حديث الساعة الهام سالم منصور تكتب: بند “الكونغرس” الأميركي على السودان… رباعية جديدة مغلّفة ولكن مكشوفة
من يتابع مسار السياسة الأميركية تجاه السودان يدرك أن واشنطن لا تعيد اختراع العجلة، بل تعيد تدوير أساليبها القديمة وتقديمها في عبوات جديدة. وما يسمى اليوم بـ “بند الكونغرس” ليس سوى خطوة إضافية في سلسلة طويلة من البنود التي صيغت بعناية لإبقاء السودان تحت المراقبة والتحكم، لكن هذه المرة يأتي البند مغلفًا برباعية معقدة تجمع بين:
الضغط السياسي – التحكم الإنساني – الاستقطاب الإقليمي – وإعادة تشكيل السلطة.
هذه الرباعية ليست بريئة، بل تعكس محاولة متقدمة لإعادة رسم مستقبل السودان بعيدًا عن أيدي أبنائه، وبما يتماشى مع الهندسة الجيوسياسية الأميركية في البحر الأحمر والقرن الأفريقي. فالهدف ليس حماية المدنيين كما يُقال، ولا دعم الديمقراطية كما يُعلن، بل خلق بيئة سياسية هشّة تُدار بالريموت كنترول من الخارج.
أولاً: الضغط السياسي المقنّع
السودان يُحاصر اليوم عبر لغة مزدوجة: كلمات ناعمة عن السلام، وأفعال خشنة على الأرض من عقوبات وحظر وقيود. هذا الضغط يريد أن يفرض على الدولة خيارات لا تشبهها، ومسارات تفاوض تُكتب في غرف مغلقة بعيدًا عن الخرطوم.
ثانيًا: التحكم الإنساني كسلاح
الجوانب الإنسانية تُستغل سياسيًا بشكل واضح:
يُفتح الدعم حين تريد واشنطن تمرير رؤية معينة، ويُغلق حين ترفض الخرطوم الانصياع.
تحويل المساعدات إلى أداة ابتزاز ليس أمرًا جديدًا، لكنه اليوم أكثر وضوحًا تحت غطاء “الكغورس”.
ثالثًا: الاستقطاب الإقليمي
الرباعية الجديدة تعمل على موازنة الصراع بين عواصم الإقليم لإبقاء السودان ساحة تنافس، ولضمان أن لا يمتلك استقلال قراره. فكلما اشتد التنافر الإقليمي زاد نفوذ واشنطن وقدرتها على التحكم بالمشهد.
رابعًا: إعادة تشكيل السلطة
الهدف الأخير هو صناعة سلطة سياسية تُكتب ملامحها في الخارج، ثم تُفرض بالضغط على الداخل، لتكون أداة تنفذ المطلوب وتوفر الغطاء السياسي المطلوب للنفوذ الدولي.
لكن… ما يغفله واضعو البنود
أن السودان، رغم الجراح والآلام والتشظي، يمتلك شعبًا صلدًا يقرأ ما بين السطور، ويمتلك جيشًا صابرًا يحفظ توازن البلاد ويمنع انهيارها.
الشعب الذي حاول الإعلام الدولي تصويره شعبًا محطمًا، أثبت أنه أشد وعيًا من دعاة الوصاية، وأكثر إدراكًا لما يُحاك في الخفاء.
السودان ليس ورقة تفاوض، وليس “ملفًا إنسانيًا” على طاولة القوى الكبرى، بل دولة ذات سيادة كاملة، وذاكرة وطنية لا تُشترى ولا تُباع.
بند “الكونغرس” ليس رباعية جديدة… بل نسخة جديدة من التدخل القديم.
والغلاف مهما كان براقًا، يظل المحتوى مكشوفًا:
تحكم، تضييق، صناعة واقع سياسي مصطنع.
لكن السودان الذي صمد أمام أعتى الأزمات، قادر على أن يرفض الوصاية، ويعيد رسم مشهده بإرادته، لا بإملاءات من الخارج.
الثلاثاء ٩ديسمبر ٢٠٢٥
مشاركة الخبر علي :
