عودة الوزارات إلى الخرطوم — التحديات والمعالجات وخطة استئناف العمل (الوطن فوق كل اعتبار) بقلم/ د.سعاد فقيري
أولاً: المقدمة
تمثل عودة الوزارات الاتحادية إلى الخرطوم خطوة مفصلية في مسار إعادة بناء الدولة السودانية بعد الحرب. الهدف من هذه العودة ليس مجرد فتح المقرات، بل استعادة المركز الإداري للدولة، وتوحيد القرار، وإعادة الثقة الدولية والمحلية في مؤسسات الحكم.
ياتي هذا المقال لتحديد التحديات الفعلية التي تواجه عملية العودة، ووضع معالجات عملية قابلة للتنفيذ، وتقديم خارطة طريق لاستئناف العمل الحكومي وفق مبدأ أن الوطن فوق كل اعتبار.
ثانياً: التحديات الرئيسية
1. الوضع الأمني
وجود جيوب مسلحة في بعض المناطق.
مخاوف الكوادر الوظيفية من التنقل.
نقص الإجراءات الأمنية في بعض المباني الوزارية.
2. البنية التحتية والمباني الحكومية
تضرر عدد من مقار الوزارات بالنهب أو الحريق أو التخريب.
ضعف الخدمات الأساسية (الكهرباء – المياه – الاتصالات).
الحاجة لتأهيل الطرق المؤدية للمقار الحكومية.
3. فقدان البيانات والوثائق
تلف أو ضياع أرشيف العديد من الوزارات.
نقص الاحتياطات الرقمية.
صعوبة استعادة الملفات المرتبطة بالمركز.
4. الموارد البشرية
غياب عدد من الموظفين بسبب النزوح أو الوضع الأمني.
هجرة كوادر مهمة للخارج.
ضعف الرواتب مقارنة بتكاليف الإعاشة.
5. التنسيق بين المؤسسات
تضارب بعض الاختصاصات بين الوزارات.
غياب مركزية القرار خلال فترة الحرب.
صعوبات لوجستية في الانتقال بين الولايات والخرطوم.
6. التمويل
الحاجة إلى موارد مالية لإعادة التأهيل والتشغيل.
ضعف الموازنة العامة بسبب الظروف الاقتصادية.
ثالثاً: محاور المعالجات المقترحة
1. معالجة الملف الأمني
تنفيذ انتشار شرطي وقوات نظامية مشتركة لحماية مباني الوزارات.
إنشاء ممرات آمنة لخدمة مرور الموظفين.
تركيب كاميرات مراقبة وأنظمة دخول حديثة.
2. التشغيل المرحلي للوزارات
المرحلة الأولى (30 يوماً):
تشغيل وزارات سيادية وخدمية أساسية (مجلس الوزراء – المالية – الداخلية – الصحة – البنية التحتية – الاتصالات).
المرحلة الثانية (3 أشهر):
استكمال تشغيل بقية الوزارات وفق الجاهزية الهندسية والأمنية.
المرحلة الثالثة (6 أشهر):
التشغيل الكامل واستعادة الدورة الحكومية الطبيعية.
3. غرفة عمليات عليا للتنسيق الحكومي
تضم :
وزارة شؤون مجلس الوزراء
وزارة الداخلية
وزارة المالية
وزارة البنية التحتية
وزارة الاتصالات
مهام غرفة العمليات:
ضبط الجدول التنفيذي للعودة.
متابعة الصيانة والترميم.
توحيد المعلومات والتقارير.
إصدار تقرير أسبوعي للرأي العام.
4. الشراكة الوطنية لإعادة التأهيل
إطلاق مبادرة “القطاع الخاص لبناء الدولة”.
تحفيز البنوك والشركات للمساهمة في إعادة تأهيل المباني.
شراكات مع الأمم المتحدة والجهات الدولية لدعم الرقمنة والتأثيث.
5. خطة قومية لاستعادة البيانات
حصر ما تبقى من الأرشيف الورقي.
إنشاء مركز بيانات سحابي حكومي موحد.
فرق تقنية متخصصة لاستعادة الملفات الرقمية التالفة.
تعزيز الأمن السيبراني.
6. دعم الموارد البشرية
منح بدل مخاطر لمدة 6 أشهر.
توفير وسائل نقل جماعية آمنة.
برنامج إيواء مؤقت للموظفين القادمين من الولايات.
خطة تدريبية سريعة للتحول الرقمي.
7. إعادة تأهيل المباني
تصنيف المباني إلى:
صالحة للعمل
تحتاج لترميم متوسط
غير صالحة (تُستبدل بمقار مؤقتة)
رابعاً: خطة استئناف العمل الحكومي
1. تحديد أولويات الـ90 يوماً الأولى
استعادة الخدمات الأساسية: كهرباء – مياه – صحة – تعليم.
برنامج اقتصادي إسعافي: ضبط الأسعار وتوفير السلع.
حصر مؤسسات الدولة وإعادة هيكلة عاجلة.
2. نموذج الأداء الحكومي
اجتماعات وزارية يومية قصيرة.
تقييم أسبوعي للأداء .
ربط القرارات بالتنفيذ المباشر.
لجنة محاسبة فورية للمتقاعسين.
3. التواصل الإعلامي والشفافية
مؤتمر صحفي أسبوعي لشرح:
الإنجازات
التحديات:
الخطوات المقبلة
فتح قنوات مباشرة للتواصل مع المواطنين.
4. الشراكات الدولية
الاستفادة من الدعم الفني (ليس السياسي) من الشركاء.
اتفاقيات قصيرة المدى لترميم المباني والأنظمة.
التعاون مع برامج الأمم المتحدة لبناء القدرات.
خامساً: المبادئ الحاكمة — الوطن فوق كل اعتبار
إبعاد التجاذبات السياسية عن مؤسسات الدولة.
تقديم المصلحة الوطنية على المصالح الفردية.
توحيد الخطاب السياسي والإعلامي.
إشراك المجتمع المدني والقطاع الخاص في بناء العاصمة والدولة.
الالتزام بأن الخرطوم هي العاصمة الإدارية والسياسية للدولة السودانية.
سادساً: التوصيات
1. الإسراع في إنشاء غرفة العمليات العليا للعودة.
2. اعتماد خطة أمنية شاملة لحماية المقار الحكومية.
3. توفير ميزانية طوارئ لمدة 6 أشهر للوزارات العائدة.
4. التحول الرقمي الشامل كمنهجية عمل أساسية منذ اليوم الأول.
5. التركيز على استعادة الخدمات الأساسية بالتوازي مع عودة الوزارات.
6. إطلاق حملة إعلامية وطنية بعنوان:
> "نعود لننهض — الوطن فوق كل اعتبار."
خاتمة:
إن عودة الوزارات إلى الخرطوم خطوة تاريخية لإعادة بناء الدولة واستعادة هيبتها. ومع تحديات الواقع الأمني والاقتصادي، فإن الإرادة الوطنية القوية والالتزام بالمصلحة العليا يمكن أن يجعل هذه العودة بداية جديدة لنهضة السودان.
إنها لحظة تتطلب من الجميع—حكومة وشعباً—العمل بصدق ووحدة وعزم:
لا شيء فوق الوطن، ولا هدف يسبق استعادة الدولة السودانية.
مشاركة الخبر علي :
