أين أنت يا رئيس الوزراء المحترم مما يحدث في ملف الحج؟ بقلم/ محيي الدين شجر
ما يحدث اليوم في ملف الحج والعمرة بالسودان يثير القلق، لا لأنه يمس ركناً من أركان الإسلام فحسب، بل لأنه يكشف خللاً عميقاً في احترام مؤسسات الدولة واختصاصاتها، وذلك أمام مرأى ومسمع من رئيس مجلس الوزراء.
ففي وقتٍ تعيش فيه البلاد حرباً ضروساً، وتئن فيه آلاف الأسر تحت وطأة النزوح والإصابات والتشرّد، كان المنتظر من وزير الشؤون الدينية والأوقاف أن يكون حاضراً وسط المعسكرات، مواسياً ومرشداً وداعماً معنوياً للمستنفرين والجرحى والمنكوبين، وأن تنهض وزارته بدورها الدعوي والإنساني في هذه المرحلة الاستثنائية، لا سيما في ظل تهدّم مساجد وكنائس، ووجود إدارات بالوزارة تحتاج إلى اهتمام عاجل.
لكن المؤسف أن الوزير ترك كل ذلك، وكرّس جهده بالكامل لملف الحج، لا من باب الإشراف العام كما يحدده القانون، بل عبر التدخل المباشر في صميم اختصاصات المجلس الأعلى للحج والعمرة، في تجاوز خطير يضرب مبدأ المؤسسية في مقتل. وبالتالي، كان الأولى أن يُسمّى وزيراً للحج، لا وزيراً للشؤون الدينية والأوقاف.
ما هي مهام المجلس الأعلى للحج والعمرة؟
بحسب القوانين واللوائح المنظمة، فإن المجلس الأعلى للحج والعمرة هو الجهة الفنية والتنفيذية المختصة بـ:
إدارة وتنظيم شؤون الحج والعمرة.
إعداد وترتيب حزم خدمات الحج (الإسكان، الإعاشة، الترحيل).
طرح العطاءات وفق الضوابط المالية والمحاسبية.
التعاقد مع الشركات وفق مبدأي الشفافية والمنافسة.
الإشراف المباشر على تنفيذ الخدمات ومتابعتها.
أما الأمين العام للمجلس، فهو المسؤول التنفيذي الأول، وصاحب الصلاحية القانونية في إدارة هذه الملفات بما يضمن النزاهة وحسن الأداء. وقد طبّق الأمين العام السابق، الأستاذ سامي الرشيد، هذه المهام بمنتهى التميّز، لكنه كوفئ – للأسف – بالإعفاء.
وأين يقف وزير الشؤون الدينية؟
دور وزير الشؤون الدينية والأوقاف – قانوناً – هو الإشراف العام ووضع السياسات، لا التدخل التنفيذي المباشر، ولا فرض قرارات تتعلق بحزم الخدمات أو توجيهها لشركة بعينها خارج إطار العطاءات والضوابط. وحين يتحول الإشراف إلى تغوّل، تكون النتيجة صراعاً إدارياً، وتعطيلاً للعمل، وفتحاً لباب الشبهات.
صراع متكرر… والسيناريو ذاته
لقد استجاب رئيس مجلس الوزراء في وقت سابق لتوصية الوزير، وأعفى الأمين العام السابق للمجلس الأعلى للحج والعمرة، الأستاذ سامي الرشيد، رغم ما تحقق في عهده من إنجازات، في محاولة – بحسب التصور – لخلق مناخ “متعافٍ” للوزير الجديد. غير أن الوزير عاد، للأسف، ليكرر السيناريو ذاته مع الأمين العام الجديد، بالتدخل في اختصاصاته، خصوصاً فيما يتعلق بحزم خدمات الحج، الأمر الذي دفع الأمين العام إلى مغادرة اجتماع رسمي غاضباً، في رسالة واضحة مفادها: لن أكون جزءاً من مخالفة للقانون.
وقد كتبت الصحفية المتميزة هاجر سليمان ما يضع النقاط على الحروف، حين أشارت إلى إصرار الوزير على إتمام صفقة حزم الخدمات بطريقة مخالفة للضوابط المالية والمحاسبية، بما يشي – إن صحّ – بشبهة فساد خطيرة. وإن صحّ هذا الحديث، فنحن أمام مصيبة وطنية لا تخص موسم حج واحداً، بل تمس سمعة الدولة ومصداقية مؤسساتها، وتضرب موقع رئيس الوزراء في مقتل.
خروج الأمين العام… رسالة لا ينبغي تجاهلها
إن مغادرة الأمين العام للاجتماع، وسفره لاحقاً إلى الدمازين، ليست تفاصيل عابرة، بل مؤشرات قوية على وجود مخالفة جسيمة لا يريد الرجل أن يُزجّ اسمه فيها. وكان الأجدر، بدلاً من تجاهل هذا الموقف، فتح تحقيق شفاف حمايةً للمجلس، ولموسم الحج، ولأموال الحجاج.
سؤال لا بد منه
أين رئيس مجلس الوزراء – وهو رجل وطني ومحترم، ويُنتظر منه أن يفعل شيئاً – مما يحدث؟ وهل يمكن أن يقف مكتوف الأيدي أمام وزير يتصرف، بحسب ما يتداول، وفق أهوائه، ويتسبب في إرباك موسم الحج، ويضرب عرض الحائط بالقوانين والمؤسسات؟
إن أخطر ما تواجهه الدول في أوقات الأزمات ليس الحرب وحدها، بل انهيار المؤسسية، حين يصبح الشخص أقوى من القانون، والقرار أقوى من النظام.
ملف الحج أمانة، وأموال الحجاج خط أحمر، واحترام الاختصاص ليس ترفاً إدارياً، بل صمام أمان للدولة. وإذا لم يُوضع حد واضح لهذا التغوّل، فإن الطعنة لن تكون في ملف الحج وحده، بل في جسد الدولة كلها.
فهل نرى إقالة في القريب العاجل؟
مشاركة الخبر علي :
