حديث الساعة إلهام سالم منصور إعلان الاستقلال من داخل البرلمان… وما بين تغيّر علم السودان دلالات وعِبر للتاريخ
لم يكن إعلان استقلال السودان من داخل البرلمان في الأول من يناير 1956 حدثًا بروتوكوليًا عابرًا، بل كان لحظة وعي وطني مكتمل، جسّد إرادة شعب قرر أن يكتب مصيره بيده، وأن ينتزع حريته بالكلمة والموقف قبل السلاح. خرج الاستقلال من رحم المؤسسة التشريعية ليؤكد أن الدولة السودانية وُلدت بفعل الإجماع الوطني، لا بالانقلابات ولا بالوصاية الخارجية.
داخل البرلمان، حيث تلاقت إرادة النواب مع نبض الشارع، ارتفع صوت السودان حرًا مستقلاً، في مشهد سيظل شاهدًا على أن الشرعية الحقيقية تنبع من الشعب، وأن السيادة لا تُمنح بل تُنتزع انتزاعًا. كانت تلك اللحظة تتويجًا لنضال طويل، شاركت فيه كل أطياف المجتمع السوداني، شمالًا وجنوبًا، شرقًا وغربًا، دون إقصاء أو تمييز.
العلم… من رمز الاستقلال إلى مرآة التحولات
علم السودان الأول، بألوانه التي جسّدت الخصوصية السودانية، كان رمزًا صريحًا للاستقلال والهوية الوطنية الخالصة. لم يكن مجرد قماش يرفرف، بل كان اختصارًا لحلم دولة تتشكل على أساس التنوع والوحدة والكرامة. ومع تغيّر العلم لاحقًا، تغيّرت معه الدلالات، ودخل السودان مرحلة جديدة من الصراع حول الهوية والاتجاه السياسي.
تغيّر العلم لم يكن قرارًا شكليًا، بل كان انعكاسًا لتحولات سياسية وفكرية عميقة، ومحاولة لإعادة تعريف السودان ضمن محيطه الإقليمي والأيديولوجي. وبين علمٍ وُلد مع الاستقلال، وآخر فُرض في سياق انقلابي، يبرز السؤال التاريخي الكبير: هل حافظنا على روح الاستقلال أم اكتفينا بمظاهره؟
دروس للتاريخ ورسائل للحاضر
إن المقارنة بين لحظة إعلان الاستقلال وتغيّر العلم تقودنا إلى حقيقة جوهرية: الدول لا تُقاس بتبدّل رموزها، بل بمدى وفائها للمبادئ التي قامت عليها. فالاستقلال ليس ذكرى تُحتفل بها مرة في العام، بل ممارسة يومية للسيادة، والعدل، وصون كرامة المواطن.
اليوم، والسودان يمر بأقسى اختبار في تاريخه الحديث، تعود ذكرى الاستقلال لتطرح نفسها كسؤال مصيري: هل نستطيع استعادة تلك الروح الجامعة التي وحّدت السودانيين داخل البرلمان؟ وهل نملك الشجاعة لإعادة بناء دولة تحترم شعبها كما احترم البرلمان إرادة الشعب في 1956؟
إعلان الاستقلال من داخل البرلمان سيبقى أنقى لحظات التاريخ السوداني، وتغيّر العلم سيظل شاهدًا على تقلبات السياسة وصراع الهوية. وبين الاثنين، تقف الأجيال مطالَبة بقراءة التاريخ لا للبكاء على الأطلال، بل لاستخلاص العِبر: أن السودان لا ينهض إلا بوحدة أبنائه، ولا يُحفظ إلا بإرادتهم الحرة، ولا يُمثَّل إلا برموز تعكس وجدانهم الحقيقي.
ليتك تعود يا سودان… لا كشعار، بل كدولة تستعيد استقلالها معنىً ومضمونًا.
مشاركة الخبر علي :
