زيارة البرهان إلى القاهرة: دلالات التحول الاستراتيجي ومستقبل السودان بقلم/ د.سعاد فقيري

لم تكن زيارة الفريق أول عبد الفتاح البرهان إلى القاهرة زيارة بروتوكولية عابرة، بل جاءت محمّلة برسائل سياسية وأمنية عميقة، عكستها حفاوة الاستقبال الرسمية والشعبية، واصطفاف القيادة المصرية ممثلة في الرئيس عبد الفتاح السيسي على رأس مستقبليه، في مشهد يؤكد أن العلاقة بين البلدين دخلت مرحلة جديدة أكثر وضوحًا وحسمًا.
إن اكتساء القاهرة أجواءً احتفالية على شرف البرهان لا يمكن فصله عن السياق الإقليمي المتفجر، ولا عن إدراك مصر أن ما يجري في السودان لم يعد شأنًا داخليًا، بل مسألة تمسّ صميم الأمن القومي المصري والعربي.
تحذير مصري صارم: السودان خط أحمر.
إطلاق مصر لتحذيرات صارمة من التهاون في تطورات الأوضاع بالسودان يمثل انتقالًا من مربع القلق الدبلوماسي إلى مربع الإنذار الاستراتيجي. فالقاهرة، بحكم الجغرافيا والتاريخ وتشابك المصالح، ترى أن انهيار الدولة السودانية أو انزلاقها إلى فوضى طويلة الأمد يعني فتح أبواب تهديد مباشر:
تهديد لأمن الحدود الجنوبية لمصر
تهديد لمنظومة الأمن المائي في حوض النيل
تهديد بتمدد المليشيات العابرة للحدود
تهديد بتفريغ السودان من دولته لصالح مشاريع تفكيك إقليمية
وعليه، فإن الرسالة المصرية كانت واضحة: السودان ليس ساحة تجارب ولا ملفًا مؤجلاً.
اتفاقية الدفاع المشترك: من النص إلى الفعل
تصريح وكيل وزارة الخارجية السودانية السفير معاوية عثمان خالد، حول توجيه قيادتي البلدين بتفعيل آليات العمل المشترك، وعلى رأسها اتفاقية الدفاع المشترك، يعد تطورًا بالغ الأهمية.
فالاتفاقية، التي ظلّت لسنوات حبيسة الأدراج، يجري الآن إخراجها إلى حيز التنفيذ، ما يعني:
تنسيقًا أمنيًا وعسكريًا عالي المستوي
تبادل معلومات استخباراتية بصورة مؤسسية
استعدادًا مشتركًا لمواجهة أي تهديدات تمس سيادة السودان أو أمن مصر.
رسالة ردع واضحة لكل من يسعى لإطالة أمد الحرب أو تفكيك الدولة السودانية.
هذا التحول يعكس قناعة مشتركة بأن الحلول الرمادية لم تعد مجدية، وأن الحفاظ على الدولة الوطنية بات أولوية فوق كل اعتبار.
ما الذي يعنيه ذلك لمستقبل السودان؟
زيارة البرهان وما تبعها من مواقف مصرية صريحة تمثل نقطة ارتكاز جديدة في مسار الأزمة السودانية، ويمكن تلخيص انعكاساتها المستقبلية في عدة مسارات:
1. تعزيز شرعية الدولة السودانية
الدعم المصري الواضح للمؤسسات السيادية يعيد الاعتبار لمفهوم الدولة، في مواجهة مشاريع المليشيا واللا دولة.
2. تضييق الخناق على التدخلات الإقليمية السالبة
التوافق المصري–السوداني يحد من قدرة بعض الأطراف على الاستثمار في الفوضى أو فرض حلول مفروضة من الخارج.
3. إعادة رسم خريطة التحالفات
السودان يتجه بوضوح نحو محور الاستقرار، مبتعدًا عن الارتهان للضغوط الدولية المتناقضة أو الوصاية السياسية.
4. تهيئة الأرضية لمرحلة ما بعد الحرب
فالأمن هو المدخل الطبيعي لأي عملية سياسية أو إعادة إعمار أو انتقال مدني مستدام.
رسالة إلى الداخل السوداني:
التحول الذي تشهده العلاقة مع مصر يضع على عاتق القوى السياسية السودانية مسؤولية تاريخية:
إما الاصطفاف خلف مشروع الدولة، أو الاستمرار في استنزاف الوطن عبر صراعات عبثية لا تخدم إلا أعداء السودان.
فالدعم الإقليمي، مهما كان قويًا، لا يغني عن توافق وطني حقيقي يعلي مصلحة السودان فوق الحسابات الضيقة.
خاتمة:
إن زيارة البرهان إلى القاهرة، وما رافقها من مواقف وتحذيرات وتفعيل لاتفاقيات استراتيجية، تؤكد أن السودان يقف اليوم عند مفترق طرق حاسم.
إما أن يستعيد عافيته كدولة ذات سيادة ومؤسسات، أو يترك فراغًا لن تملأه إلا الفوضى.
وقد قالت مصر كلمتها بوضوح:
أمن السودان من أمن مصر، واستقرار الخرطوم من استقرار القاهرة.
مشاركة الخبر علي :
