تأملات جمال عنقرة عقار وابنه عبدالله.. دروس في الوطنية والتجرد


ابنه عبدالله أعني به الاستاذ عبدالله سعيد الامين العام للحج والعمرة الذي قدم درسا بليغا باستقالة غير مسبوقة وغير معهودة.
أقول اولا لماذا اكتب عن موضوع الحج والعمرة، ووزارة الشؤون الدينية والأوقاف، اولا الجهة الحكومية الصرفة التي عملت فيها موظفا هي وزارة الشؤون الدينية والأوقاف، حيث عملت مديرا لتحرير مجلة (البيان) التي تصدرها الوزارة في الفترة من عام ١٩٨٣م وحتي عام ١٩٨٦م، وكان رئيس التحرير هو الشيخ عبد الجبار المبارك، والوزير الدكتور يوسف الخليفة ابوبكر، والأمين العام الدكتور عبد الملك عبدالله الجعلي، ولا اعلم احدا من زملاء تلك الفترة علي قيد الحياة سوي المدير المالي للوزارة الاخ حسب الرسول عثمان محمد طه، وسكرتيرتي في مكاتب المجلة الأخت الهام محمد عبد الله الجعلي، ولم تنقطع صلتي بالوزارة منذ ذاك العهد البعيد، وكانت لي صلات قوية مع كثيرين من الذين تعاقبوا علي قيادتها، بمن في ذلك الوزير مفرح الذي كان يناديني (عم جمال) اما الصلات الاقوي فكانت مع الذين يعملون في ادارة الحج والعمرة، لا سيما في العشر سنوات الأخيرات التي كان مركزنا يواظب علي تنظيم رحلات حج وعمرة جماعية للصحفيين والإعلاميين بشروط ميسرة، وتكلفة في متناول الأغلبية وخدمات مميزة، مستثمرين في ذلك علاقاتنا الخاصة مع شركاء الحج والعمرة، وفي مقدمتهم وزارة الشؤون الدينية والأوقاف والإدارة العامة للحج والعمرة، وسفارة خادم الحرمين الشريفين في السودان، وشركتا الخطوط الجوية السودانية، نسال الله أن يرد لها طائرتها الوحيدة المتعثرة في الصيانة، ويجمعها بالدولارات الضائعة، وييسر لها ادارة قادرة حكيمة من اهل الحارة تقيل عثرتها، وشركة تاركو للطيران التي سدت كثيرا من فراغات غياب الناقل الوطني، وتحية خاصة في هذه المناسبة للربان الماهر الإنسان الشمباتي سعد بابكر، وشقيقه قسم الخالق، وكل طاقم تاركو العظيمة الأرضي والجوي والبحري.
ثم إن وجودي قريبا من اخي وصديقي العزيز ملك العظيم نائب رئيس مجلس السيادة الفريق مالك عقار، مشرف الوزارة سابقا، وصاحب نصيب ادارة الحج والعمرة حاليا، جعلني اقرب للملف الذي تجمعني علاقات وطيدة وحميمة مع شركائه، كل العاملين في الأمانة والوزارة تقريبا، وشعبة وكالات السفر والسياحة، وأهل وذوي قربي الوزير السيد بشير هارون، وكنت قد بذلت بعض المساعي لجمع الشركاء لنزع فتيل الأزمة قبل اشتعالها، وتداعوا جميعا للاجتماع في (صالون الأمير) في بورتسودان، إلا أن الوزير تخلف في اللحظات الأخيرة لظروف خاصة به، وكان قد وصل اهله واصدقاؤه، ومدير مكتبه، ولم يتيسر لنا لقاء بعد ذلك رغم سعي كثيرين من اهل خاصته.
ودون الدخول في تفاصيل ما جري، وادي الى تقديم الامين العام الجديد للحج والعمرة الابن عبد الله سعيد استقالته، فان الاستقالة شكلت محطة مهمة في تاريخ العمل السياسي والتنفيذي في السودان، فالسيد عبد الله سعيد جاء علي خلفية معركة حامية بين الوزير والأمين العام السابق السيد سامي الرشيد، وجاء عبد الله بقلب صاف وصدر مفتوح، ونية صادقة للتعاون متجاوزا كل خلافات وصراعات الماضي، وسعي سعيا جادا لفتح صفحة جديدة مع السيد الوزير، ومع كل زملاء الأمانة في السودان والسعودية لإنجاز موسم للحج خال من القيل والقال، إلا انه اصطدم بجدر صلبة متينة، ترفض الإصلاح وتريد له أن يسير في ذات الطريق الذي رسموه وحدهم، فلم يرض ذلك لنفسه، ولا للمنصب الذي يعتبر عبادة قبل أن يكون وظيفة، ولا للرجل النزيه الذي دفع به مرشحا للموقع مالك عقار، الذي عاش عمره كله نزيها، عفيف اليد واللسان، فخرج عبد الله من بينهم سالما، كما تخرج الشعرة من العجين، وقدم استقالته وعاد ادراجه الى ديار اهله في النيل الأزرق معززا مكرما، دون ان يلطخ يديه بما وغل فيه اخرون.
في المقابل، كان السيد عقار، عند الموعد، كما هو دوما، اشاد بابنه العفيف الشريف عبدالله سعيد، ولم يتركه وحده بذبح كما تذبح البعير، فرفض استقالته، لكنه، ولأنه رجل دولة عظيم، لم يقف في طريق من كلف لإنقاذ موسم الحج الاخ عمر مصطفي، وبعد الحج لكل حدث حديث باذن الله تعالي.
مشاركة الخبر علي :
