*حل أزمة حجاج السودان في تكوين مجلس طواريء عاجل تحت إشراف مجلس السيادة*. *كتب. عبد اللطيف السيدح*
رغم المحاولات البائسة لحقن أزمة حج السودانيين ببعض الأمصال منتهية الصلاحية، وإعداد مسرحية متواضعة السيناريو ضعيفة الإخراج لتخبر الناس أن الأزمة انتهت بمغادرة الأمين العام للمجلس الأعلى للحج والعمرة الشرعي لموقعه، إلا أن الأزمة تبقى جاثمة على صدر أخطر الملفات السودان بعد الحرب
لأنها ليست إدارة موسمية عابرة، ولا خلافاً شخصياً بين مسؤولين، بل تحوّلت إلى اختبار أخلاقي وسيادي حقيقي لقدرة الدولة على حماية واحدة من أعظم شعائر الإسلام من العبث والمصالح الضيقة.
وإذا كان التاريخ القريب شاهداً، فإن جذور الكارثة الراهنة تعود إلى اللحظة التي أُقيل فيها الأمين العام السابق للمجلس الأعلى للحج والعمرة، سامي الرشيد أحمد، دون تقييم موضوعي، ودون معالجة مؤسسية هادئة لما كان يعتمل داخل هذا الملف الحساس، والإقالة الظالمة التي طالت الرشيد لم تُتبع بإصلاحات حقيقية، بل فتحت الباب واسعاً أمام التدخلات، وتغوّل مراكز النفوذ، وتراجع مبدأ الشورى المؤسسية مع أمناء الحج والعمرة في الولايات، ومنذ تلك اللحظة، بدأت القرارات تُصاغ في غرف مغلقة، وتُمرر الاتفاقيات في غياب أهل الاختصاص، وحلت الترضيات محل الكفاءة، حتى أصبح ملف الحج ساحة مفتوحة للصراع لا للخدمة.
وعندما تم تعيين الأستاذ عبد الله سعيد أميناً عاماً، ظن كثيرون أن الرجل جاء ليضع حداً للفوضى، وأن يعيد الاعتبار لمبدأ الشفافية والتشاور، لكن ما حدث كان العكس تماماً، فبدلاً من أن تُمنح له المساحة الكاملة للإصلاح، فقد جوبه الرجل بتدخل مباشر في عمله وضغوط معلومة، من أجل تمرير اتفاقيات تمت دون علمه ولا تحظى بإجماع أمناء الحج والعمرة بالولايات.
وحين قدّم استقالته، كانت في حقيقتها صرخة ضمير أكثر منها انسحاباً من منصب.
غير أن الكارثة وقعت عندما تعامل رئيس مجلس الوزراء مع الاستقالة بخفة سياسية غير مسبوقة، قبولٌ عاجل، وتكليف أمين عام جديد خلال سويعات، دون تحقيق، ودون مساءلة، ودون حتى الاستماع لأسباب الاستقالة ومسبباتها.
فهذا القرار قانوناً غير صحيح ولن يمر مهما كانت الظروف التي تتحدث عن ضيق الوقت
فقد رفضه كما تفيد المعلومات حاكم إقليم النيل الأزرق، وكل مواطني الإقليم باعتبارهم أصحاب الحق الأصيل في المنصب، ورفضه كذلك الغالبية العظمى من أمناء الحج والعمرة في ولايات السودان.لأن هؤلاء ببساطة لا يقبلون أن تُوقّع اتفاقيات مصيرية باسمائهم وهم غائبون، ولا أن يتحمل الحاج البسيط كلفة عمولات لن يستفيد منها إلا سماسرة التفاوض.
إن رفض أهالي إقليم النيل الأزرق لم يكن موقفاً عاطفياً، بل أخلاقيا وسيكون شوكة حوت في حلوق الذين استعجلوا إنهاء الأمور مع شركات ومؤسسات في المملكة العربية السعودية، بعد أن انتزعوا ما لا يستحقون ممن لا يملكون.
نعتقد أن الحل الوحيد يكمن وبلا مواربة حتى يمر موسم حج هذا العام بسلام على السودان والسودانيين، في تشكيل لجنة طوارئ مستقلة من خبرات وطنية مجرَّبة، ومدراء حج سابقين، رجال يخافون الله في السر والعلن، ويستبعد منها
وزير الشؤون الدينية والأوقاف، وكل المساعدين له سواء كانت في بورتسودان أو في مكة المكرمة وجدة.
لجنة تتبع مباشرةً لمجلس السيادة، ولا علاقة لها بمجلس الوزراء، لأن فيه أس البلاء والجرثومة التي قادت هذا الملف إلى حافة الانهيار.
وتكون مهمة اللجنة واضحة، تبدأ فوراً بلقاء فوري مع أمناء الحج والعمرة في كل الولايات، والاستماع لأرائهم، والخروج بتوصيات تمثلهم فعلاً، ثم التفاوض على أساسها مع مقدمي حزم الخدمات في المملكة العربية السعودية
بشفافية كاملة، وبحياد، ودون عمولات، ودون خبايا تحت طاولات المفاوضات، لأن القاعدة واضحة، من يعطيك عمولة، سيضعها حتماً على ظهر الحاج المغلوب على أمره.
ومهمة اللجنة البحث عن أقصى امتياز، لحجاج السودان من السكن، والترحيل، والإعاشة،
بسعر مناسب، ومنافس، وعادل.
والحمد لله فالسودان مليء بالخبرات لايوجد عندنا شح في وجودها،
والأسماء موجودة ومتاحة وعلى استعداد أن تعمل متى ما طلب منها ذلك مثل المطيع محمد أحمد، وأحمد سر الختم، وغيرهما من رؤساء مكاتب حجاج السودان السابقين فهم قادرون إن مُنحوا الصلاحيات على إنقاذ الموسم، وحماية سمعة السودان، وصون شعيرة عظيمة من الانتهاك.
فالوقت لم يعد يسمح بالمجاملات، ولا بتدوير الفشل. فإما قرار سيادي شجاع بتشكيل مجلس طوارئ مستقل، أو تحميل الدولة وزر ضياع موسم حج كامل، وما يترتب عليه من غضب شعبي، وإثم ديني، وفشل سياسي.
والتاريخ لا يرحم.
مشاركة الخبر علي :
