الكاردينال في شرق السودان: مبادرة صلح أم وصاية اجتماعية بالقوة؟ كتب محمد عثمان الرضي
تفاجأ الرأي العام في شرق السودان، ومن دون أي مقدمات أو مشاورات معلنة، بظهور رجل الأعمال السوداني أشرف سيد أحمد الكاردينال في ثوب جديد، مقدّمًا نفسه كمصلح اجتماعي وقائد لمبادرة صلح مجتمعي، في خطوة بدت لكثيرين كأنها فُرضت فرضًا على واقع معقد وحساس.
الظهور المفاجئ للكاردينال لم يأتِ محمولًا على توافق أهلي أو تفويض مجتمعي واضح، بل بدا كأنه قفز مباشر إلى صدارة المشهد، متجاوزًا القيادات الأهلية والتاريخية التي ظلت، رغم الخلافات، العمود الفقري لإدارة التوازنات الاجتماعية في شرق السودان.
يدّعي الكاردينال أن هناك “جهات” قامت بتنصيبه لقيادة مبادرة الصلح المجتمعي بين كيانات وإثنيات شرق السودان، غير أن هذه الجهات ظلت مجهولة الهوية، غامضة الدور، ما يفتح الباب واسعًا للتساؤلات حول شرعية هذا التكليف ومصادره الحقيقية.
فمن الذي منح رجل أعمال، مهما بلغت إمكاناته المالية أو حضوره الإعلامي، صك قيادة ملف اجتماعي معقد ومتشابك كملف شرق السودان؟ ومن الذي قرر نيابة عن أهل الشرق أنهم بحاجة إلى وصاية اجتماعية مستوردة من خارج نسيجهم؟
توقيت المبادرة يثير بدوره علامات استفهام كبيرة، إذ جاءت في لحظة سياسية وأمنية شديدة الحساسية، ما يجعلها أقرب إلى رسالة ملغومة منها إلى مسعى صادق لرأب الصدع الاجتماعي.
لماذا الآن؟ ولماذا بهذا الأسلوب الاستعراضي؟ وهل الأزمة في شرق السودان بلغت حد الانفجار الذي يستدعي هذا الظهور المفاجئ، أم أن هناك من ضخّم المشهد وصدّر صورة مغلوطة عن واقع التعايش في الإقليم؟
من الذي أوهم الكاردينال، المعروف بعشقه للأضواء وعدسات الكاميرات، بأن مجتمع شرق السودان يعيش حالة اقتتال دائم وتناحر شامل؟ أهي حقائق ميدانية، أم روايات صاغها أصحاب مصالح ضيقة يبحثون عن موطئ قدم قرب النفوذ والمال؟
الواقع يقول إن شرق السودان، رغم ما يعتريه من تعقيدات وتباينات، يمتلك آليات تقليدية راسخة لإدارة خلافاته، وأن أي معالجة جادة لا يمكن أن تنجح دون احترام هذه البنى الاجتماعية والتاريخية.
يبدو أن الكاردينال أخطأ المدخل منذ اللحظة الأولى، حين تعامل مع ملف بالغ الحساسية بعقلية المبادرات الفردية، متجاهلًا خصوصية المكان وتعقيدات الإنسان الشرقي.
الأخطر من ذلك أن هذه المبادرة، في شكلها الحالي، تحمل في داخلها بذور فشلها، لأنها لم تُبنَ على توافق حقيقي، بل على فرض أمر واقع يفتقر إلى القبول الشعبي.
الكاردينال نفسه يعلم، في قرارة نفسه، أن القيادة الاجتماعية لا تُشترى بالمال، ولا تُفرض بالكاميرات، ولا تُدار من فوق المنصات الإعلامية.
التجارب السابقة لرجل الأعمال في ملفات مشابهة لا تبعث على الاطمئنان، إذ أثبتت الوقائع أن معظم مبادراته انتهت إلى الفشل، رغم الضجيج الإعلامي الذي صاحبها.
المؤسف أن الكاردينال لم يتعظ من إخفاقاته السابقة، بل أعاد إنتاج الأخطاء ذاتها، معتمدًا على ذات الدائرة الضيقة من المنتفعين والمطبلين.
هؤلاء الذين يلتفون حوله اليوم في شرق السودان لا تحركهم بالضرورة مصلحة الإقليم، بل حسابات شخصية تبحث عن النفوذ والتمكين والاقتراب من مركز القرار.
في المقابل، يغيب صوت أهل الشرق الحقيقيين، أولئك الذين يعيشون هموم الأرض والإنسان، والذين لم يُستشاروا ولم يُؤخذ رأيهم في مبادرة يُفترض أنها تخصهم أولًا وأخيرًا.
إن أخطر ما في هذه المبادرة أنها قد تعمّق الشروخ بدلًا من معالجتها، إذا ما استمرت بذات النهج الإقصائي والاستعلائي.
فالصلح الاجتماعي لا يُدار بعقلية رجل الأعمال، ولا بمنطق العلاقات العامة، بل يحتاج إلى صبر، وحكمة، وإلمام عميق بتاريخ الصراعات وسياقاتها.
شرق السودان ليس مسرحًا للتجارب، ولا ساحة لإعادة تدوير الأدوار، ولا منصة لالتقاط الصور وبناء الأمجاد الشخصية.
وأي محاولة لتجاوز الإرادة المجتمعية ستُقابل بالرفض، مهما حسنت النوايا أو ساءت.
المطلوب اليوم ليس مبادرات مفروضة من أعلى، بل حوار حقيقي ينطلق من القاعدة، ويحترم العقول والتاريخ والتضحيات.
أما القفز على الواقع، وارتداء عباءة “المصلح” دون تفويض، فلن يقود إلا إلى مزيد من الاحتقان والتشكيك.
وفي المحصلة، فإن مبادرة الكاردينال في شرق السودان تظل سؤالًا مفتوحًا: هل هي مسعى صادق للسلام الاجتماعي، أم حلقة جديدة في مسلسل الوصاية والضجيج بلا نتائج؟
مشاركة الخبر علي :
