*عندما تُدار الأزمة السودانية ولا تُحل… هل نحن أمام وساطة دولية أم وصاية بلا إعلان؟* *مصطفى بشير عيسى*
حين تتحول الوساطة الدولية من البحث عن حلٍ عادل إلى إدارة أزمة مفتوحة، يصبح السؤال مشروعاً: هل ما يجري في السودان وساطة حقيقية، أم وصاية سياسية مقنّعة تُدار باسم السلام؟
المنطق البسيط يفرض على أي وسيط دولي أن يحسم موقفه من المليشيا التي ارتكبت جرائم موثقة بالصوت والصورة، واعترف بها عناصرها قبل ضحاياها. السؤال ليس معقداً:
هل هذه مليشيا إرهابية أم لا؟
والتهرب من الإجابة لم يعد موقفاً محايداً، بل انحيازاً سلبياً ضد الشعب السوداني.
ليس من المعقول، ولا من المقبول، أن تتعامل الوساطة مع أطراف تدعم المليشيا لوجستياً وعسكرياً، ثم تطلب من الجيش السوداني ــ بوصفه جيشاً نظامياً لحكومة شرعية ــ أن يوقّع على هدنة تساوي بين الدولة وبين جماعة إرهابية مسلحة. هذا منطق مقلوب، ووساطة مستفزة لوجدان شعب دفع ثمناً باهظاً من أمنه ودمائه.
الأكثر إثارة للتساؤل هو موقف ما تُعرف بـ«الرباعية»، التي تبدو وكأنها تُقيم توازناً مصطنعاً بين المليشيا والشعب وجيشه. فهل بلغ النفوذ الاقتصادي والدبلوماسي لبعض الدول الداعمة للمليشيا، وعلى رأسها الإمارات، حداً يجعل المجتمع الدولي عاجزاً عن تسمية الأشياء بأسمائها؟ ولماذا تصر هذه الأطراف على تأجيل الحل وترحيل الأزمة بدلاً من معالجتها من جذورها؟
في المقابل، ظل موقف الجيش السوداني واضحاً وثابتاً، ومدعوماً بإسناد شعبي كامل:
إما الاستجابة لخارطة الطريق التي طرحتها الحكومة السودانية، أو الاستمرار في الحرب حتى القضاء على آخر مليشي خارج إطار الدولة. لا مناورة في هذا الموقف، ولا تراجع عنه.
والشعب السوداني، الذي صبر على جرائم المليشيا وعلى خذلان المجتمع الدولي، قادر على الصبر لسنوات أخرى إن اقتضى الأمر، خاصة وأن الأوضاع الميدانية والاقتصادية اليوم أفضل بعشرات المرات مما كانت عليه في السنوات الثلاث الماضية. هذه حقيقة يبدو أنها غائبة عن حسابات الوسطاء الذين يبحثون عن حل سريع، حتى لو كان مكلفاً للسودان ومستقبله.
ما يريده السودانيون ليس هدنة هشة، ولا تسوية تساوي بين الجلاد والضحية، بل حلاً شاملاً وعادلاً:
إبعاد المليشيا نهائياً عن المجالين السياسي والأمني، ومحاسبة كل من أجرم في حق هذا الشعب، سواء كانوا أفراداً أو دولاً أو قوى سياسية.
أما غير ذلك، فليس سلاماً… بل إدارة للأزمة، وتأجيلاً للانفجار القادم.
أي تسوية لا تبدأ بتجريد المليشيا من سلاحها ومحاسبة داعميها ليست سلاماً، بل شراكة في الجريمة. وأي وساطة تساوي بين دولة ذات سيادة وجماعة إرهابية مسلحة تفقد حيادها وتتحول إلى وصاية سياسية مرفوضة.
السودان لن يوقّع على هدنة تشرعن الإرهاب،فالسلام لا يُفرض بالعقوبات ولا بالضغوط، بل يُبنى بإرادة شعب قرر أن يستعيد دولته كاملة السيادة… مهما طال الطريق.
مشاركة الخبر علي :
