*العيلفون… رموز ومعالم* ----------------------------------- *الكابتن الشيخ إدريس بركات* *(ود البن)* *ساحر الكرة السودانية وموهبتها المتفردة* *(١٩٥٢ – ٢٠٢٦)* -------------
*حين تستدعى ذاكرة الكرة السودانية إلى ساحات المجد، وحين تفتش دفاتر الإبداع عن الأسماء التي خطّت تاريخها بحروف من مهارة وخلق ووفاء، يبرز اسم الكابتن الشيخ إدريس بركات، الشهير بـ(ود البن)، كما يحلو لأهله في العيلفون أن ينادوه بوصفه إحدى الظواهر الرياضية النادرة التي تفجرت موهبتها بين العيلفون وود مدني والخرطوم، فشكلت مسيرة ذاخرة بالعطاء، وبصمة خالدة في وجدان الرياضة السودانية.*
*كان الراحل ابن العيلفون البار، وأيقونة نادي الوفاق، وشيخ أنديتها، وفلتة الجزيرة الخضراء وود مدني منبع النجوم ونيلها اعرق اتيامها ، وساحر الهلال العاصمي في عصوره الزاهية، يوم كان السودان الوطن العزيز سودانا والكرة السودانية عنوانا للفن الأصيل، وكان السودان يمور بالحياة والإبداع.*
*في ذلك الزمن الجميل، كانت أرض السودان الخصبة، ومدني الفيحاء على وجه الخصوص، تمد العاصمة الخرطوم في كل موسم بأفواج من المبدعين في شتى مجالات الحياة؛ من فنانين وشعراء ومفكرين ورياضيين ومناضلين. يوم كان مشروع الجزيرة شامخا، وكان القطن، الذهب الأبيض، ينسج بخيوطه ضياءً يغمر الحقول والقلوب معا، ويرفد خزائن الوطن بالخير والبركة والدولار .*
*وكانت ود مدني، بعراقتها ووهجها، وأنديتها الثلاثة: الأهلي سيد الأتيام، والاتحاد الرومان،* *ومدرسة النيل لصناعة النجوم، تشكّل قمة كروية* *تضاهي ثلاثي العاصمة الهلال والمريخ والموردة،* *بل تنافس الخرطوم في مجالات عديدة، وتمنح السودان كوكبة من نجوم الكرة الذين أثروا الملاعب مهارةً وفنا.*
*ومن تلك الأرض المباركة مرّت قوافل من النجوم الأفذاذ؛ إبراهومة سيد الاسم، مايسترو المريخ، وسمير صالح (سمارة ماشي)، وسانتو إخوان، والفاتح رنقو، وجعفر ود النوبة، وقلة، وأبو زعبل، وسامي عزالدين درة الملاعب، وهواري، والأسيد، وحموري وإخوان، وعصام غانا، وعيال الكوري، وسنطة المدافع الصلب، وفتاح، والنقي، وأولاد الله جابو، والريشة، وزيكو، وعباس ركس، وحمد، والديبة حاجة عجيبة ، وغيرهم من الأسماء التي سكنت ذاكرة الملاعب السودانية.*
*وفي خضم هذه القافلة المتألقة بزغ نجم (شيكو)، بجسده النحيل الرشيق* *ومهاراته الساحرة، فكان امتدادا لسلسلة الإبداع، لكنه احتفظ بتفرداته الخاصة التي جعلته أحد الأسماء التي يفتقدها* *السودان اليوم، بعد أن فقد قبله عددا من أعلامه، وكان آخرهم رفيق دربه وزميله الكابتن السفير علي قاقرين.*
*وفي يوم الثلاثاء الثالث من فبراير ٢٠٢٦، اختار الله تعالى أن يختتم رحلة هذا النجم، فرحل في القاهرة، مودّعا الملاعب والمجتمع الذي احبه وعشقه ، لكنه ترك إرثا لا يندثر، وذكرى لا تغيب عن وجدان محبيه.*
*لقد كان شيكو مزيجا فريدا من الانتماءات؛ عيلفوني الجذور، مدني الروح والنكهة، أم درماني الهوى، هلالي المزاج. تركيبة إنسانية ورياضية نادرة، صاغت شخصيته وصنعت إبداعه، وجعلته في مصاف الكبار خلقا وأدبا وموهبة.*
*منذ سنوات الصبا الأولى، ارتبط بأهله في العيلفون، فتشرّب منهم مكارم الأخلاق ونبل* *السجايا وقيمة الوفاء وهناك بدأت بذور موهبته، قبل أن تتفتح أزهارها في ود مدني، حيث تألق مع فريق النيل، وسجّل اسمه في قائمة الشرف ضمن كبار لاعبي المدينة.*
*وفي كل محطة من محطات مسيرته – العيلفون، ومدني، وأم درمان – كان شيكو يترك أثرا لا يُمحى، ويصنع تاريخا رياضيا ظل شاهدا على عبقريته الكروية.*
*ففي العيلفون، خلال أواخر الستينيات وبدايات السبعينيات، كان نادي مجلس إدارة نادي الوفاق بالعيلفون واقطابه الكبار : الاب الروحي* *للوفاق و رئيسه التاريخي العم/ الطيب احمد سعد - الاستاذ/ حسن يوسف حامد - ومحمد عثمان بابكر (بنداس) - الاستاذ / عبدالرحمن بخيت - الاستاذ / الباقر حاج احمد - الاستاذ / عمر عثمان بابكر - الاستاذ صلاح العمدة - المهندس عز الدين عثمان رحمهم الله جميعا و الدكتور / المقداد احمد الفادني - الاستاذ / صلاح عركي احمد يوسف -مد الله في عمريهما - كانوا يستعينون به في مواجهاته الحاسمة أمام غريمه مريخ العيلفون* *(الحواتة )، فتُرسل اليه سيارة خاصة لاحضاره من مدني ليشارك في تلك الملحمة الكروية بين الوفاق والمريخ برفقة شقيقه الكابتن السني. وفي المقابل، كان كبار أقطاب المريخ العم/ بشير الطاهر - العم/ مكي ابو عركي - المهندس السيد محمد السيد - التوام الاستاذين / حمزة وعباس مناع - الاستاذ / عبدالرحيم الطيب (الدنقش )- المهندس حبر ابو عركي رحمة الله عليهم جميعا - الاستاذ / حسن النص - مد الله في عمره - كانوا يستعينون باللاعب نادي الشاطىء الأم درماني الفنان الكابتن (المك) للفتك بالوفاق ، لتنشأ من تلك المواجهات حكايات لا تزال تتردد في ذاكرة أهل الرياضة، ومن بينها الهتاف الشهير الذي ارتبط بتلك الأحداث :*
*(المك حرق البن)،*
*الذي وُلد عقب انتصار المريخ التاريخي على الوفاق قبيل أحد الأعياد حيث عمد مجموعة مشاغبة من مشجعي المريخ صبية الآمس وشيوخ اليوم : سعيد الطيب - معتصم حسن الفاضل البيجو - مامون عثمان - بدرالدين الطيب مليء جيوبهم بحبوب البن يزوعونها لجماهير الوفاق متزامنة مع مباركة العيد!!! .*
*أما في ود مدني، فقد بلغت موهبة (شيكو) طور النضج والإشراق، وتألق مع النيل مدني، خاصة في مواجهته الشهيرة أمام المريخ العاصمي في كأس السودان، حين أسهم في فوز النيل بثلاثة أهداف* *مقابل هدف كان( لشيكو) فيها نصيب ، لتبدأ بعدها مرحلة جديدة من التنافس بين قمتي الكرة السودانية الهلال والمريخ، قبل أن يحسم الهلال الصفقة لصالحه.*
*وفي أم درمان، اكتملت لوحة الإبداع. فقد قدّم شيكو أروع مواسمه مع الهلال، وخلّد اسمه في واحدة من أشهر مباريات القمة، عندما راوغ دفاع المريخ في اللحظات* *الأخيرة، وتجاوز الحارس العملاق عبدالعزيز عبدالله، مسجّلا هدفا تاريخيا منح الهلال بطولة الدوري، وظل محفورا في ذاكرة جماهيره حتى اليوم.*
*وبمثل ما كان ميلاد شيكو في (لفة المكي)، قلب العيلفون النابض، إلى جوار ضريح جده الشيخ إدريس ود الأرباب، حيث نشأ في بيئة مشبعة بالقيم الروحية والاجتماعية الأصيلة، وعاش أجمل سنوات عمره في ود مدني الخضراء، وظل رغم رحلتي الغدو والرواح ما بين مدني والعيلفون وفيا لأهله، محافظا على صلة الرحم، مشاركا في أفراحهم وأتراحهم.*
*وبعد الاعتزال، ظل يتنقل بين العيلفون ومدني،* *مشدودا بحبال الحنين وقلبه وأشواقه موزعة ما بين مدني والعيلفون ، وفي آخر محطات العمر شد الرحال الى مصر مهجرا ونازحا من منزله بضاحية شمبات حتى لقي ربه بين محبيه وأهله الذين شيّعوه بقلوب دامعة،* *وواروه الثرى في أرض غير أرضه ووطن غير وطنه وبادلوه حبا ووفاءً.*
*إن شيكو لم يكن مجرد لاعب كرة قدم، بل كان رمزا رياضيا وإنسانيا، ولاعبا امتلك أجنحة من الإبداع حلّق بها في سماوات التميز، فصار أحد المعالم البارزة التي أهدت مدنه الثلاث العيلفون - مدني . ام درمان مجدا وفخرا.*
*نسأل الله أن يتغمده بواسع رحمته، وأن يجعل مثواه في جنات النعيم، في طلحٍ منضود، وظلٍّ ممدود، وماءٍ مسكوب، وفاكهةٍ كثيرةٍ لا مقطوعةٍ ولا ممنوعة.*
*رحم الله شيكو… حيّا في القلوب، خالدا في ذاكرة الملاعب، وباقيا في سجل المجد الرياضي السوداني.*
*مبارك صباحي*
*الاربعاء الموافق* *٢٠٢٦/٢/٤.*
مشاركة الخبر علي :
