*مصطفى بشير عيسى* *بارا… عندما تغيّر ميزان المعنويات*
ما جرى في بارا لم يكن مجرد غارات عسكرية أو تقدم ميداني عابر، بل كان لحظة فارقة أعادت ترتيب المشهد نفسياً قبل أن تعيد ترتيبه عسكرياً. هناك، في تلك المدينة التي تحولت إلى عقدة استراتيجية في مسرح عمليات كردفان، تكلم الميدان بلغة واضحة: الدولة استعادت زمام المبادرة.
الضربات المركزة التي استهدفت مخازن السلاح وخطوط الإمداد والارتكازات لم تكن عملاً عشوائياً، بل رسالة محسوبة التوقيت والمضمون. الرسالة الأولى للداخل: أن القوات المسلحة تتحرك وفق خطة، بثقة وانضباط، وأنها قادرة على إدارة معركة متعددة المحاور دون ارتباك. والرسالة الثانية للخصم: أن زمن الحركة الآمنة والتمدد بلا حساب قد انتهى.
بارا رفعت الروح المعنوية للجيش، نعم… لكنها رفعت معنويات الشعب أيضاً. المواطن الذي أنهكته الحرب، وأدمته مشاهد استهداف المدنيين وقوافل الإغاثة، رأى بأم عينه أن ميزان القوة ليس ثابتاً، وأن الدولة قادرة على حماية أرضها واستعادة مواقعها. في المقابل، فإن الارتباك الذي أصاب صفوف المليشيا بعد الضربات الأخيرة يعكس تحولاً حقيقياً في ميزان المبادرة، حيث لم تعد المواقع آمنة ولا طرق الإمداد مضمونة.
كردفان، بتاريخها وعمقها الوطني، كانت دائماً حصناً للسودان، وأبناؤها في كل المراحل وقفوا في صف الدولة. واليوم، فإن المسؤولية أكبر من أي وقت مضى. إن اللحظة الراهنة ليست لحظة اصطفاف قبلي أو حسابات ضيقة، بل لحظة تحكيم عقل وتغليب مصلحة وطن. من غرر به أو دفعته الظروف لحمل السلاح خارج إطار الدولة، أمامه فرصة واضحة للعودة والانحياز لمؤسسات بلاده، والمساهمة في طي صفحة مؤلمة من تاريخ السودان.
التحول الميداني تزامن مع تحول في النبرة الإقليمية والدولية. مواقف السعودية ومصر وتركيا والجامعة العربية جاءت داعمة لوحدة السودان واستقراره، فيما شدد وزير الخارجية الأمريكي على ضرورة وقف تدفق السلاح، وأدان الانتهاكات المتكررة بحق المدنيين والعاملين في الإغاثة. هذه التصريحات ليست تفاصيل عابرة، بل مؤشرات إلى أن صورة الصراع باتت أكثر وضوحاً أمام المجتمع الدولي، وأن استهداف المدنيين لم يعد يمر بلا مساءلة أخلاقية أو سياسية.
الشعب السوداني لا يرفض السلام، بل يتطلع إليه أكثر من أي جهة أخرى. لكنه سلام عادل، شامل، يحفظ هيبة الدولة ويمنع تكرار المأساة، ويعبر عن الإرادة السودانية التي دفعت ثمناً باهظاً. سلام لا يقوم على مساواة الدولة بمن حمل السلاح ضدها، ولا يتجاهل الدماء التي أريقت، ولا يساوي بين مؤسسة وطنية وجماعة تورطت في انتهاكات جسيمة.
ما حدث في بارا أكد أن التفويض الشعبي لجيشه ما زال قائماً، وأن المعركة لم تعد فقط معركة مواقع، بل معركة إرادة. الإرادة التي تصمد، وتخطط، وتتحرك بثقة، هي التي ترسم النهاية.
السودان أكبر من أزمته، وأكبر من حربه، وأكبر من أي جماعة عابرة.
ويبقى الرهان دائماً على وعي شعبه، وصلابة جيشه، وحكمة قيادته في تحويل النصر الميداني إلى استقرار دائم
مشاركة الخبر علي :
