*سفارة السودان بالقاهرة… حين تتحول البعثة إلى عبء وتغيب الدولة* *كتب: محمد عثمان الرضي*

تيقنت بما لا يدع مجالاً للشك أن اختيار سفير السودان لدى جمهورية مصر العربية لم يكن موفقاً، وأن القرار جاء على عجل، دون قراءة متأنية لتعقيدات المشهد وحساسية المرحلة.
القاهرة ليست محطة دبلوماسية عادية يمكن إدارتها بعقلية تقليدية أو بروتوكولية باردة، بل هي عقدة توازنات إقليمية ودولية، ونافذة استراتيجية للسودان على محيطه العربي والأفريقي.
العلاقة مع القاهرة ترتبط بالأمن القومي، والاقتصاد، والسياسة، وملفات المياه والحدود، والتنسيق العسكري، ومصالح ملايين البشر، ولذلك فإن إدارتها تتطلب خبرة متراكمة داخل البيت الدبلوماسي، لا مجرد موقع رفيع سابق في مؤسسة أخرى.
السفير عماد عدوي، مع كامل الاحترام لشخصه وتاريخه العسكري، ليس رجل هذه المرحلة الدقيقة، مهما بلغت مكانته السابقة داخل المؤسسة العسكرية.
المسألة ليست تقليلاً من قدراته، فهو من خيرة ضباط الجيش السوداني، وتدرج حتى تولى رئاسة هيئة الأركان، لكن العمل الدبلوماسي علم مختلف، وأدواته مختلفة، ودهاليزه لا تُدار بالعقلية ذاتها.
ملف مصر ملف شائك، متداخل، تتقاطع فيه خيوط السياسة بالأمن، والاقتصاد بالجغرافيا، وتتحرك فيه أطراف عديدة ظاهرة وخفية، ما يستوجب دبلوماسياً محترفاً نشأ وتربى في أروقة وزارة الخارجية.
السفير في القاهرة لا يدير بعثة فقط، بل يدير توازناً سياسياً حساساً، ويتحرك في مساحة تتطلب ذكاءً استثنائياً، ومرونة محسوبة، وقدرة على قراءة ما بين السطور.
الأخطر من ذلك أن سفير السودان بالقاهرة يتولى كذلك ملف جامعة الدول العربية، وهو ملف بالغ التعقيد يحتاج إلى جهد مضاعف، وعلاقات واسعة، وحضور يومي فاعل.
كيف يمكن الجمع بين هذين الملفين الثقيلين دون خبرة دبلوماسية عميقة ومتخصصة؟
الواقع يشير إلى أن الأداء لم يرتقِ إلى مستوى التحديات، وأن الفرص التي كانت متاحة لإحداث اختراقات سياسية واقتصادية مهمة لم تُستثمر كما ينبغي.
في هذا التوقيت الحرج، تُدار العلاقة بين الخرطوم والقاهرة أساساً عبر الدبلوماسية الرئاسية المباشرة، نظراً لحساسيتها، وهو ما يقلص فعلياً من دور البعثة إن لم تكن قادرة على مواكبة هذا المستوى من التنسيق.
كان الأجدى الدفع بسفير مهني معتّق، مشبع بتجارب التفاوض، ومطلع على تفاصيل المدرسة الدبلوماسية المصرية، وقادر على مخاطبة مؤسسات الدولة العميقة بلغة تفهمها وتحترمها.
وزارة الخارجية السودانية نفسها دفعت بسفيرين مهنيين للعمل كمساعدين للسفير داخل السفارة، إدراكاً منها لأهمية محطة القاهرة، وهو ما يعكس ضمناً ثقل المهمة وتعقيدها.
غير أن تعدد المساعدين لا يعوّض غياب الرؤية القيادية المتخصصة على رأس البعثة.
المأساة الحقيقية تتجلى في ملف الجالية السودانية، حيث لجأ إلى مصر ما يقارب ستة ملايين سوداني عقب الحرب، بين من عاد ومن لا يزال يقيم على أرض الكنانة.
هؤلاء ليسوا أرقاماً في تقارير، بل بشر فقدوا بيوتهم وأرزاقهم، ويحتاجون إلى سفارة حاضرة، يقظة، فاعلة، تتابع قضاياهم اليومية بلا كلل.
حماية مصالح وشؤون الرعايا واجب أصيل، لا منحة ولا تفضل، والسفارة مطالبة بأن تكون خط الدفاع الأول عنهم، قانونياً وإنسانياً وإدارياً.
الواقع، كما يراه كثيرون، يشير إلى فجوة بين السفارة والجالية، وإلى بطء في الاستجابة، وضعف في التواصل، وغياب لآليات واضحة لمعالجة الأزمات.
السفارة ليست نادياً اجتماعياً، ولا موقعاً بروتوكولياً لالتقاط الصور في المناسبات الرسمية، بل هي مؤسسة سيادية تمثل الدولة بكل ثقلها.
حين يضعف الأداء في القاهرة، فإن الرسالة السلبية لا تصل إلى المصريين فحسب، بل إلى الإقليم بأسره.
مصر دولة مركزية في محيطها، والتعامل معها يتطلب فهماً عميقاً لتاريخها السياسي ومؤسساتها، وإدراكاً لحساسية التوازنات داخلها.
المرحلة الراهنة لا تحتمل المجاملات ولا الترضيات السياسية في التعيينات، بل تحتاج إلى معايير صارمة قوامها الكفاءة والخبرة والتخصص.
إن استمرار الوضع على ما هو عليه يطرح تساؤلات مشروعة حول معايير الاختيار، وحول رؤية الدولة لإدارة أهم بعثاتها الخارجية.
ليس عيباً تصحيح الخطأ متى ما اتضح، بل العيب في الإصرار عليه رغم المؤشرات الواضحة.
سحب السفير الحالي وإسناد المهمة إلى دبلوماسي مهني متمرس سيكون خطوة إصلاحية شجاعة تعكس احترام الدولة لمصالحها العليا.
القاهرة ليست محطة تدريب، ولا مساحة لتجريب الخيارات، بل هي عنوان العلاقة مع دولة بحجم مصر.
في زمن التحولات الكبرى، لا يُدار ملف بهذه الحساسية بعقلية الحد الأدنى، بل بعقلية الدولة التي تعرف ماذا تريد وكيف تصل إليه.
إن تعرية الخلل ليست استهدافاً لأشخاص، بل دفاع عن مؤسسة يجب أن تكون في مستوى تطلعات شعبها.
وسفارة السودان بالقاهرة، اليوم، أمام اختبار تاريخي: إما أن ترتقي إلى مقام المهمة، أو تظل مثالاً صارخاً على سوء التقدير في لحظة لا تحتمل الخطأ.
مشاركة الخبر علي :
