*المقاومة الشعبية… حين قرر الشعب أن يكون جيشًا* *✍️ مصطفى بشير عيسى*
لم تكن المقاومة الشعبية حدثًا عابرًا في مسار هذه الحرب، ولم تكن مجرد استجابة آنية لنداء التعبئة، بل كانت التعبير الأوضح عن لحظة تاريخية فارقة قرر فيها الشعب السوداني أن يتحول من متلقٍ للعدوان إلى شريك أصيل في صناعـة النصر.
لقد ظنت المليشيا أنها تستطيع إخضاع المدن بالإرهاب، وكسر إرادة الناس عبر الانتهاكات البشعة التي طالت كل شيء: انتهكت الأعراض، روعت الآمنين، سبت القوارير، فككت الأسر، رملت النساء، قتلت الأبرياء، احتلت المنازل، ودمرت البنى التحتية، ولم تترك جرحًا إلا وفتحته في جسد الوطن. لكنها لم تدرك أنها بذلك كانت توقظ في الشعب قوة كامنة، وأن الألم حين يبلغ مداه يتحول إلى إرادة مقاومة لا تُقهر.
من رحم تلك المعاناة خرجت المقاومة الشعبية… خرج الشباب من الأحياء، من القرى، من الأسواق، من الجامعات، يحملون يقينًا واحدًا: لا مكان لمليشيا إرهابية في وجدان هذا الشعب. وهنا حدث الاصطفاف الجماهيري غير المسبوق؛ اصطفاف لم تصنعه الأحزاب ولا البيانات السياسية، بل صنعته دموع الأمهات وصبر النازحين وكرامة أمة أُريد لها أن تنكسر فأبت إلا أن تنتصر.
لقد كان الأثر المعنوي للمقاومة الشعبية أعظم من مجرد إضافة عددية للميدان. كانت رسالة واضحة للجيش أن الشعب خلفه، وأن معركته ليست معركة مؤسسة عسكرية وحدها، بل معركة وطن بأكمله. هذا الانسجام بين الجيش ورغبة الشعب شكّل نقطة تحول كبرى، حيث التقت الإرادة الشعبية بالقدرة العسكرية، فتحولت الرغبة في التحرير إلى واقع يتحقق عبر الانتصارات المتتالية.
وفي المقابل، بدأت المليشيا تفقد توازنها. الضعف العسكري صار ظاهرًا، التخبط القيادي جليًا، وحالة الإنهاك واضحة في صفوفها. لم تعد تلك القوة التي تراهن على الصدمة والرعب، بل صارت مجموعات مشتتة تبحث عن مخرج. والاستسلامات المتزايدة، خاصة في محور كردفان، ليست إلا مؤشرًا على خورٍ بدأ يتسع، وعلى قناعة تتشكل حتى داخل صفوفهم بأن المعركة خاسرة.
ولم يعبأ الجيش بتخرصات الداعمين للمليشيا، ولا بدعوات بعض الدول لوقف الحرب أو فرض هدنة لا تعكس إرادة الداخل. فالشعب الذي صبر طويلًا، وتحمل النزوح والجوع والخوف، ليس في وارد القبول بأنصاف الحلول أو إعادة إنتاج الأزمة. لقد حسم خياره: نصر شامل يقتلع جذور التمرد، لا تسوية تبقي على بذور الفوضى.
المعطيات على الأرض اليوم واضحة لكل من يقرأ المشهد بإنصاف:
الجيش يتقدم بثبات، المليشيا تتراجع باضطراب، المقاومة الشعبية تعزز الروح المعنوية وتسد الثغرات، والاصطفاف الوطني يزداد صلابة. إنها لحظة تتجلى فيها وحدة الإرادة بين الشعب وجيشه بصورة نادرة في تاريخ الأمم.
المعركة لن تطول كما يظن البعض، لأن عنصر الحسم فيها لم يعد عسكريًا فحسب، بل أصبح معنويًا وأخلاقيًا. حين يفقد العدو شرعيته في وجدان الناس، ويسقط من حساباتهم، تبدأ نهايته الحقيقية. واليوم، لا مكان لهذه المليشيا في وجدان السودانيين، ولا فرصة لها لإعادة التمركز في ضمير وطن لفظها.
إنها معركة كرامة قبل أن تكون معركة سلاح، ومعركة إرادة قبل أن تكون معركة مواقع.
والنصر… لم يعد وعدًا مؤجلاً، بل صار يُرى عيانًا في صمود الناس، وفي تقدم الجيش، وفي انهيار المليشيا التي لم يبقَ لها سوى ضجيج الداعمين.
والشعب الذي قرر أن يكون جيشًا… لا يُهزم.
مشاركة الخبر علي :
