*مهيرة حسن تكتب:* *الإعلام الرقمي وتحولات المشهد الإعلامي* *التوجيه والمصداقية* (من وحي ورشة الإعلام بين التوجيه والمصداقية المقدمة من الخبير الإعلامي الأستاذ الياس عبدالرحمن)
يشهد العالم اليوم تحوّلاً جذرياً في مشهد الإعلام انتقالاً من الصحف الورقية والنشرات الإخبارية التقليدية إلى منصات رقمية متعددة الوسائط، متاحة في كل لحظة ومن أي مكان. ولم يعد المتلقي مجرد مستهلك للأخبار، بل أصبح جزءاً من دورة إنتاجها بفضل الهواتف الذكية وتطبيقات النشر الفوري.
هذا التحول لم يغيّر فقط طريقة الوصول إلى المعلومة، بل أعاد صياغة مفهوم السلطة الإعلامية برمّتها، مما يثير تساؤلات عميقة حول من يملك المعلومة، ومن يتحكم في نشرها، ومن يتحمل مسؤولية تبعاتها.
لم يعد الإعلام حكومياً أو حكراً على المؤسسات الإعلامية الرسمية في صناعة الرأي العام؛ فالهاتف المحمول اليوم أصبح أداة إعلامية كاملة. فكل هاوٍ أو محترف يستطيع عبر صحافة الموبايل أن يلتقط صورة أو يسجل مقطعاً ويبثه فوراً مصحوباً برسائل قد تمثل خبراً أو تقريراً أو تحليلاً أو حتى تحقيقاً صحفياً، ويحدث أثراً قد يفوق أحياناً ما تقدمه نشرات الأخبار التقليدية.
الصحافة التقليدية في مأزق وجودي
لم تعد الصحف المطبوعة تجد لنفسها مكاناً في جيوب القراء أو على طاولات المقاهي، فقد خسرت سباق السرعة والانتشار أمام الإعلام الرقمي. لكن الأزمة أعمق من مجرد تراجع في التوزيع؛ فهي تمس جوهر الوظيفة الصحفية نفسها.
ففي بيئة رقمية مشبعة بالمحتوى، كيف يمكن للصحفي المحترف أن يقنع القارئ بمتابعة تحقيق معمّق بدلاً من الاكتفاء بعناوين مختصرة وجذابة؟ وهل تستطيع المؤسسات الصحفية المحافظة على معاييرها التحريرية في ظل ضغط الإعلانات وسرعة التفاعل ومتطلبات الظهور في صدارة نتائج البحث؟
لقد كانت الصحافة الورقية تعتمد منظومة مراجعة دقيقة تبدأ بالمحرر، ثم رئيس القسم، فمدير التحرير، وصولاً إلى رئيس التحرير قبل نشر المادة الصحفية. أما اليوم، ومع تسارع النشر الإلكتروني، فقد تقلصت تلك المراجعات في كثير من الأحيان، وأصبحت الأخبار تنشر بسرعة كبيرة دون تدقيق كافٍ، خاصة في الأخبار العاجلة.
منصات النشر وأرباح بلا مسؤولية تحريرية
من أبرز المفارقات في عالم الإعلام الرقمي أن المنصات الكبرى التي تحتكر التوزيع والانتشار، مثل منصات التواصل الاجتماعي ومحركات البحث، تجني أرباحاً طائلة من المحتوى دون أن تتحمل مسؤولية قانونية أو أخلاقية كاملة عما يُنشر عبرها.
فبينما يخضع الصحفيون التقليديون لقوانين النشر والمساءلة، يجد كثير من صناع المحتوى أنفسهم في منطقة رمادية، تغيب فيها الضوابط وتتراجع فيها المسؤولية المهنية. وهذا يفتح الباب أمام انتشار الإشاعات والمعلومات المغلوطة، بل والتحريض أحياناً، في غياب رقابة حقيقية.
التحقق من المعلومة في زمن التضليل الرقمي
يتضاعف التحدي حين يصبح الكذب أكثر انتشاراً من الحقيقة، بفضل تقنيات التلاعب بالصوت والصورة وتنامي ظاهرة المحتوى الاصطناعي، حيث يمكن إنتاج صور وأحداث مزيفة تبدو واقعية تماماً.
وفي هذا السياق تتحول مهمة الصحافة إلى ما يشبه التحقيق الجنائي؛ إذ يجب على الصحفي أن يتقن أدوات التحقق الرقمي، وأن يدقق في مصادره ويكشف أساليب التلاعب حمايةً للمتلقي من الوقوع ضحية للمعلومات الزائفة.
الإعلام التشاركي وتراجع الحياد
في ظل الإعلام الرقمي لم يعد الصحفي وحده من يروي القصة؛ بل أصبحت الجماهير تشارك في صياغة الخبر من خلال التعليقات والمشاركة وإعادة النشر. ورغم أن ذلك يضيف بعداً تشاركياً للنقاش العام، إلا أن له جانباً مقلقاً يتمثل في تراجع الموضوعية وتضخم تأثير الانتماءات الشخصية في تفسير الحقيقة.
كما أن الخوارزميات التي تحدد ما يظهر للمستخدمين لا تعكس الواقع دائماً كما هو، بل كثيراً ما تصوغه وفق الاهتمامات والميول والتأثيرات.
إشكالية الاستقلال المالي للإعلام الرقمي
من أبرز التحديات التي تواجه الإعلام الرقمي الجاد مسألة الاستقلال المالي. فمعظم المواقع الإخبارية تعتمد على الإعلانات، ما يخلق ضغوطاً قد تدفع بعض المنصات إلى نشر محتوى مثير لجذب المشاهدات على حساب الجودة والمصداقية.
كما يدفع التنافس الشديد بعض الوسائل إلى نشر الأخبار قبل التحقق منها، أو استخدام عناوين مضللة لتحقيق نسب مشاهدة مرتفعة. وفي المقابل، كان الأولى استثمار أوقات المشاهدة العالية في نشر ما يعزز الوعي العام وأمن المجتمع وسلامة الوطن.
الحاجة إلى مواثيق إعلامية جديدة
نحن اليوم بحاجة إلى مواثيق إعلامية تواكب خصوصيات العصر الرقمي، وتضع حدوداً واضحة بين حرية التعبير ونشر الأذى، وبين حق الوصول إلى المعلومة والتعدي على الخصوصية.
كما تبرز ضرورة إدراج ثقافة التحقق والتفكير النقدي في المناهج التعليمية، حتى لا يترك الجيل القادم في مواجهة الفوضى الرقمية دون أدوات للتمييز بين الحقيقة والتضليل.
الإعلام الرقمي بين الفرص والمسؤولية
الإعلام الرقمي ليس مجرد تطور تقني، بل هو تحول حضاري يعيد تشكيل العلاقة بين الإنسان والمعلومة، وبين المواطن والسلطة، وبين الرأي والحقيقة.
ولكي يؤتي هذا التحول ثماره، لا بد من الجمع بين التكنولوجيا والقيم، والحرية والمسؤولية، والمهنية والتجديد. فالإعلام الذي يدرك حدوده ويمارس سلطته بنزاهة ومعرفة، وحده القادر على أن يكون صوتاً للناس، لا أداة في يد من يضللهم.
الإعلام التنموي… الأثر الحقيقي
يبقى الإعلام التنموي من أكثر الأنماط الإعلامية تأثيراً في بناء المجتمعات، لأنه يركز على الوعي والمعرفة وتحفيز المشاركة المجتمعية في قضايا التنمية.
وقد تناولت هذه القضية في عدد من الورش والأوراق العلمية التي قدمت في عدة منصات إعلامية، بمشاركة نخبة من الخبراء، من بينهم الدكتور الركابي، والأستاذة أماني الأمين، كما ناقشها رئيس منظمة النهضة السودانية للسلام والتنمية المستدامة الدكتور زاهر، ونائبة الرئيس الأستاذة راشدة حسن، إلى جانب عدد من المختصين في مجالات الإعلام والتنمية.
فالتنمية الحقيقية تحتاج إلى إعلام مسؤول يفتح مساحات للنقاش ويشجع مشاركة المجتمع في صناعة المستقبل.
إضافة عطفاً على ورشة الأمس
عطفاً على ما طُرح في ورشة الأمس حول الإعلام بين التوجيه والمصداقية، يتضح أن التحولات الرقمية المتسارعة تفرض على الإعلاميين تحديات جديدة، أهمها الحفاظ على المهنية والمصداقية في بيئة إعلامية مفتوحة وسريعة التأثير.
لقد أصبح الإعلام اليوم أكثر قرباً من الناس، لكنه في الوقت نفسه أكثر عرضة للتضليل وسوء الاستخدام، الأمر الذي يضع على عاتق الإعلامي مسؤولية مضاعفة في التحقق من المعلومات واحترام أخلاقيات المهنة وعدم الانجرار وراء السبق الصحفي على حساب الحقيقة.
كما أكدت النقاشات أن المستقبل يتطلب الجمع بين خبرة الصحافة التقليدية وأدوات الإعلام الرقمي الحديثة، بحيث نحافظ على القيم التحريرية الصارمة التي عُرفت بها الصحافة، مع الاستفادة من سرعة وانتشار المنصات الرقمية.
وفي هذا الإطار تبرز أهمية التدريب الإعلامي المستمر، وقيام المنصات ومراكز التدريب بدور أكبر في تأهيل الإعلاميين الشباب على مهارات التحقق الرقمي والتفكير النقدي والتعامل المسؤول مع المحتوى.
فالإعلام في نهاية المطاف ليس مجرد نقل للأحداث، بل هو رسالة مجتمعية ومسؤولية أخلاقية تسهم في بناء الوعي وتعزيز الاستقرار ودعم مسيرة التنمية.
مشاركة الخبر علي :
