*محجوب أبوالقاسم* *يكتب:* *من ينصف طلاب السودان في المنافي؟*
منذ اندلاع الحرب في السودان لم يذق المواطن طعم الاستقرار فقد عاش السودانيون واحدة من أقسى الفترات في تاريخهم الحديث فالحرب لم تكتفي بتمزيق المدن وتشريد الأسر بل ألقت بظلالها الثقيلة على تفاصيل الحياة اليومية للناس فالفقر والنزوح واللجوء وفقدان الممتلكات والاعتداءات المتكررة كلها تحولت إلى مشاهد مألوفة في حياة شعب صابر آمن بقضاء الله وقدره وتحمل البلاء أملا في غد أفضل.
ورغم كل تلك المعاناة ظل المواطن السوداني يتطلع إلى بارقة أمل مع تشكيل حكومة الأمل على أمل أن تخفف عنه وطأة الحياة وتراعي الظروف الاستثنائية التي يمر بها لكن الواقع جاء مختلفا إذ فرضت رسوم وجبايات جديدة أثقلت كاهل الأسر التي بالكاد تستطيع توفير احتياجاتها الأساسية.
غير أن الضربة الأكثر إيلاما جاءت هذه المرة من قطاع يفترض أن يكون الأكثر رحمة ووعيا بظروف المجتمع وهو قطاع التعليم
فقد فوجئ الاف الطلاب السودانيين الذين يدرسون خارج البلاد بقرارات من وزارة التربية والتعليم وصفت بالمجحفة خصوصا أنها صدرت في توقيت بالغ الحساسية وفي ظل أوضاع إنسانية واقتصادية معقدة تعيشها الأسر السودانية في دول اللجوء.
هؤلاء الطلاب لم يختاروا الغربة طوعا بل دفعتهم إليها ظروف الحرب التي أوقفت الدراسة داخل السودان وحرمتهم من حقهم الطبيعي في التعليم ورغم ذلك حاولوا التمسك بمستقبلهم متحدين ظروف النزوح والضيق المادي والغربة ومستعدين لبذل كل جهد لتعويض السنوات الدراسية التي ضاعت بسبب الحرب،لكن بدلا من دعمهم وتشجيعهم وجدوا أنفسهم أمام سلسلة من القرارات التي زادت معاناتهم تعقيدا.
ففي البداية أُلزم الطلاب بأداء الامتحانات وفق ترتيبات ولاية الجزيرة بدلا من ولاية نهر النيل وتم تقديم موعدها بنحو شهرين عن الموعد المعتاد الأمر الذي أربك استعداداتهم وأربك خطط الأسر التي كانت تحاول التكيف مع واقع جديد فرضته الحرب.
ثم جاء قرار اخر بتحديد أعمار الطلاب الجالسين لامتحانات مرحلتي الابتدائي والمتوسط وهو قرار أثار تساؤلات كثيرة بين أولياء الأمور خاصة أنه صدر في وقت متأخر من العام الدراسي بعد أن قطعت الأسر والطلاب شوطا طويلا في الاستعداد للامتحانات ولو صدر مثل هذا القرار منذ بداية العام لكان بإمكان الأسر ترتيب أوضاعها التعليمية وفق الضوابط الجديدة أما أن يأتي في نهاية المطاف فهو ظلما إضافيا يقع على كاهل طلاب أنهكتهم الحرب قبل القرارات.
ولم تتوقف المشكلة عند هذا الحد بل زادت تعقيدا عندما تم تحديد رسوم امتحانات المرحلة الابتدائية بمبلغ ٣٥٠٠ جنيه مصري للطالب الواحد وهو مبلغ يعد كبيرا بالنسبة لكثير من الأسر السودانية اللاجئة التي تعيش في ظروف اقتصادية شديدة الصعوبة.
فهذه الأسر التي تكافح يوميا لتوفير الحد الأدنى من متطلبات الحياة باتت اليوم أمام معادلة قاسيةهل تدفع ماتبقى لها من رسوم المدارس أم توفر إيجار السكن الذي يؤوي أبناءها أم تؤمن احتياجات المعيشة الأساسية؟
إنها معادلة مؤلمة تضع التعليم في مواجهة مباشرة مع ضرورات الحياة، وقد تواصلت معي خلال الأيام الماضية أعداد من الأسر السودانية المقيمة في القاهرو معبرة عن قلقها العميق من هذه القرارات ومطالبة بإيصال صوتها إلى الجهات المسؤولة أملا في مراجعة هذه الإجراءات التي يرون أنها لا تراعي الظروف الاستثنائية التي يعيشونها.
هذه الأسر لا تطلب امتيازات ولا تسعى إلى استثناءات خاصة بل تطلب فقط قدرا من العدالة والرحمة وقرارات تأخذ في الاعتبار واقع الحرب والنزوح الذي يعيشه ملايين السودانيين.
فالتعليم ليس مجرد رسوم تدفع أو لوائح تطبق بل هو حق أساسي لأبناء هذا الوطن ووسيلة لإنقاذ جيل كامل من الضياع في ظل حرب تهدد مستقبل البلاد.
ومن هنا فإن هذه المظلمة نرفعها اليوم إلى رئيس الوزراء وإلى رئيس مجلس السيادة مطالبين بتدخل عاجل يعيد النظر في هذه القرارات ويضع حدا لما يصفه أولياء الأمور بحالة من الارتباك والضغط غير المبرر على الأسر والطلاب.
فأبناء السودان الذين يقاومون ظروف الحرب بالغربة والدراسة يستحقون دعما لا عقوبات وتيسيرا لا تعسيرا وظلما.
ويبقى السؤال الأهم
هل يعقل أن ينجو الطلاب من قسوة الحرب ليواجهوا قسوة القرارات؟
ولنا عودة
10 مارس 2026م
مشاركة الخبر علي :
