عبد اللطيف السيدح يكتب: *مؤتمر بعثة حجاج السودان، المعوقات تتحول إلى إدانات*

لم يكن المؤتمر الصحفي الذي تم عقده ببورتسودان حدثا عاديا، ولا مجرد منصة لعرض الترتيبات النهائية لموسم حج 1447هـ، بل جاء دون قصد كوثيقة إدانة مكتملة الأركان.
إدانة لا تقوم على تسريبات أو اتهامات، بل على اعترافات صريحة خرجت من داخل المنظومة نفسها، وعبر عرض البور بوينت على الصحفيين.
ويتضح مكمن الخطورة عندما تعترف الجهة المسؤولة بالمشكلة، ثم تقف عند حدود وصفها، دون أن تقدم حلا عمليا لها، لتمهد لفشل قادم ومتوقع وتطلب من الناس تقبله مسبقا.
وما طرحته البعثة في مؤتمرها يمكن تلخيصه في عبارة واحدة (هناك تحديات كبيرة تنتظر الحجاج هذا العام). لكن السؤال الحقيقي وماذا بعد؟ فهل وظيفة البعثة أن تعلن عن المعاناة؟ أم تبشر بأنها وضعت حلولا لحلها وأنها على أهبة الاستعداد لمنعها؟ وما عرض على الشاشة يوضح الفرق بين الإدارة والبيروقراطية، لأن الأولى تنتج حلولا، بينما الثانية تكتب تقارير باردة ، وما سمعناه كان أقرب إلى تقرير مُحكم الصياغة، ضعيف الفعل.
ومن أخطر النقاط التي تم طرحها، هي بعد مخيمات الحجاج السودانيين في منى عن مواقع رمي الجمرات، واختيارها في أعالي الجبال ، وهذا الاختيار يمس السلامة الجسدية مباشرة، لأن الناس لا يتحدثون عن شباب في مقتبل العمر، بل عن شريحة كبيرة من كبار السن، ستنهكهم الرحلة الطويلة، وتثقلهم الأمراض المزمنة، فكيف يُطلب منهم عمليا تسلق المرتفعات أو قطع مسافات مرهقة، ثم يكتفى بأن يتجلمدوا بالصبر على المكاره؟
والاعتراف الثاني الذي لا يقل خطورة، هو التأخر في سداد الالتزامات المالية، وما ترتب عليه من تأخير في الحجز واختيار المواقع والخدمات، وهنا تكمن المشكلة الحقيقية فالإدارة لم تفقد السيطرة فجأة، بل تركت الزمن يفلت منها تدريجيًا، وفي إدارة الحج، الوقت ليس عنصرا ثانويا.د، بل هو العامل الحاسم.
وكل تأخير في قرار، يتحول لاحقًا إلى تنازل وكل تنازل ينتهي إلى معاناة يدفع ثمنها الحاج البسيط.
أما ما يتعلق بصعوبات التفويج واستخراج الوثائق من الولايات المتأثرة بالحرب، فهو ملف يكشف فجوة أعمق، فهل التخطيط تم من داخل المكاتب، أم من واقع الميدان؟
لأن من يعرف طبيعة الأوضاع في تلك المناطق، كان يجب أن يضع هذا التحدي في مقدمة الأولويات، لا أن يظهره كعقبة طارئة.
والإدارة الناجحة تتوقع المشكلة قبل وقوعها.
أما الاعتراف بها بعد حدوثها، فذلك لا يحسب كفاءة.
ومما يظهر من مجمل الطرح، يشير إلى أن البعثة ليست جاهلة بالمشكلات، بل على العكس، هي تعرفها بدقة، لكنها لم تتخذ القرارات الحاسمة لمعالجتها في الوقت المناسب، والمشكلة ليست في نقص المعلومات بل في ضعف إرادة التنفيذ.
والأخطر من كل ما سبق، هو الرسالة غير المعلنة التي بعث بها المؤتمر إلى الحجاج وتقول لهم، استعدوا للمعاناة، لأنها قادمة.
وهذا لعمري تحول خطير في فلسفة العمل.
فالجهة التي وجدت لتيسير الحج، أصبحت تهيئ الحجاج نفسيا لقبول الصعوبات بدلا من إزالتها، وهذا ليس قصورا إداريا فقط، بل خلل في المفهوم، لأن الحلول موجودة، لكنها تحتاج إلى شجاعة، وليكن الناس واضحين، بأن هذه المشكلات ليست مستحيلة الحل، بل إن كثيرا منها يمكن معالجته بقرارات سريعة إذا توفرت الإرادة، وأولها التدخل العاجل إن أمكن لإعادة توزيع المخيمات حتى إن لم يكن بالإمكان تغيير المواقع بالكامل، يمكن استحداث وسائل وطرق تحسن من الوصول إليها عبر حلول لوجستية ممرات، خدمات مساعدة، ، عربات غولف وغير ذلك، والإلتزام بدءاً من الموسم المقبل باعتماد سياسة السداد المسبق، لتفادي الوقوع في خيارات محدودة ورديئة، مع تفويض إداري أوسع للولايات، والتخلي عن المركزية المرهقة، التي عطلت عمل أمناء الحج والعمرة بالولايات من إكمال إجراءات حجاجهم بسرعة وكفاءة.
وليعلم المسؤولون أنه لا يمكن تحميل الظروف وحدها المسؤولية، كما لا يمكن تعليق كل شيء على شماعة الحرب أو التعقيدات، لأن الحاج الذي يدفع من عمره وماله، ولا تعنيه التبريرات.
وما يعنيه فقط هل سيؤدي نسكه بكرامة، أم يتمرمط بسبب صراعات وخلافات إدراية لا تهمه من بعيد أو قريب.
إن ماحدث في مؤتمر بورتسودان لم يكن مجرد عرض للتحديات، بل كان إعلانا مبكرا عن أزمة دون خطة إنقاذ واضحة، وهنا يبرز السؤال الذي لا يمكن تجاهله، فإذا كانت البعثة تعترف بالعجز قبل بدء المناسك، فبأي مبرر تمنح نفسها شرف القيام بخدمة حجاج أرهقتهم الأسفار، وأثقلتهم الأعمار؟
مشاركة الخبر علي :
