حديث الساعة الهام سالم منصور وزارة الصحة... صمود الدولة في زمن الانكسار
لا شك أن ما تقوم به وزارة الصحة الاتحادية، بقيادة الدكتور هيثم محمد إبراهيم، يتجاوز كونه عملاً روتينياً لمؤسسة حكومية، ليصبح نموذجاً حقيقياً للصمود الوطني في مواجهة واحدة من أعقد الأزمات التي مر بها السودان في تاريخه الحديث. فالحرب لم تترك فقط دماراً في البنى التحتية، بل خلفت واقعاً صحياً هشاً، تتكاثر فيه الأوبئة وتتعاظم فيه المخاطر على حياة المواطنين.
السودان اليوم يواجه تحدياً صحياً مركباً؛ انتشار للأمراض الوبائية، تدهور في خدمات المياه والصرف الصحي، تكدس سكاني في مراكز النزوح، وضعف في الخدمات الأساسية. كل هذه العوامل شكلت بيئة مثالية لتفشي أمراض مثل الكوليرا، حمى الضنك، الملاريا، وسوء التغذية، خاصة وسط الأطفال والنساء.
ورغم هذه التحديات، ظلت وزارة الصحة تقف في الخطوط الأمامية، تعمل في ظروف بالغة القسوة، وتتحرك بإمكانيات محدودة، لكنها بإرادة قوية. فقد سعت إلى تفعيل أنظمة الرصد الوبائي، وإطلاق حملات تطعيم عاجلة، ونشر فرق الاستجابة السريعة، إضافة إلى التنسيق مع المنظمات الدولية لتوفير الأدوية والمحاليل والمستلزمات الطبية الضرورية.
إن ما تقوم به الكوادر الصحية في الميدان يستحق التقدير والإشادة، فهم يعملون في بيئة محفوفة بالمخاطر، أحياناً بلا حماية كافية، وبموارد شحيحة، لكنهم يواصلون الليل بالنهار من أجل إنقاذ الأرواح. هؤلاء هم الجنود المجهولون الذين يخوضون معركة لا تقل شراسة عن أي معركة أخرى.
لكن الحقيقة التي يجب أن تقال بوضوح، أن وزارة الصحة لا تستطيع وحدها أن تتحمل هذا العبء الثقيل. فالأزمة أكبر من إمكانيات أي مؤسسة، وتتطلب تكاتفاً وطنياً شاملاً. هنا يأتي دور الدولة في دعم القطاع الصحي مادياً ولوجستياً، ودور الإعلام في نشر الوعي الصحي الصحيح، ودور المجتمع في الالتزام بالإرشادات الوقائية.
كما أن المجتمع الدولي مطالب بأن يتحمل مسؤوليته الأخلاقية والإنسانية تجاه السودان، فالأوضاع الصحية الحالية تنذر بكارثة إنسانية إذا لم يتم التدخل بشكل عاجل وفعال. الدعم يجب أن يكون مستمراً وليس موسمياً، وأن يركز على بناء نظام صحي قادر على الصمود، لا مجرد حلول إسعافية مؤقتة.
وفي خضم كل ذلك، تبرز أهمية الإدارة الرشيدة للأزمة، والتخطيط الاستراتيجي لمواجهة الطوارئ الصحية، بما يضمن الاستجابة السريعة وتقليل الخسائر. فالأزمات، رغم قسوتها، يمكن أن تكون فرصة لإعادة بناء نظام صحي أكثر قوة وكفاءة إذا أحسن التعامل معها.
إن وزارة الصحة، وهي تتحدث بلغة العمل في زمن المحن، تقدم درساً في المسؤولية الوطنية، وتؤكد أن الدولة، رغم جراحها، ما زالت قادرة على الوقوف، وأن الأمل لا ينطفئ ما دام هناك من يعمل بإخلاص من أجل هذا الوطن.
ختاماً، فإن معركة الصحة في السودان هي معركة بقاء، تتطلب وحدة الصف، وتغليب المصلحة الوطنية، والعمل المشترك بين الجميع. فحياة الإنسان السوداني ليست مجرد رقم، بل هي أولوية يجب أن تتقدم على كل شيء.
الخميس ٩ابريل ٢٠٢٦
مشاركة الخبر علي :
