بقلم د.سعاد فقيري : *التمديد الممنهج بالسفارات السودانية: حين يصبح الاستثناء قاعدة والفساد منظومة*
في الوقت الذي يئن فيه الوطن تحت وطأة أزمات متلاحقة، ويبحث فيه السودانيون عن بصيص أمل في مؤسساتهم، تبرز واحدة من أخطر الظواهر الإدارية التي ظلت تنخر في جسد الدولة بصمت:
التمديد الممنهج للموظفين في البعثات الدبلوماسية بالخارج، وعلى رأسها سفارة السودان في القاهرة.
إن الأصل في العمل الدبلوماسي هو التداول والتجديد، بما يضمن ضخ دماء جديدة، ونقل الخبرات، وتحقيق العدالة في الفرص بين الكوادر. غير أن ما يحدث فعليًا هو العكس تمامًا؛ حيث تحوّل “التمديد” من إجراء استثنائي مبرر بظروف محددة إلى سياسة غير معلنة تُدار عبر شبكات من العلاقات الشخصية والوساطات.
التمديد:
من ضرورة إلى أداة تمكين
حين يُمدد لموظف خارج الأطر القانونية أو المهنية، فإن ذلك لا يعني فقط حرمان آخرين من فرصة عادلة، بل يفتح الباب أمام تكريس النفوذ، وتضارب المصالح، وتحويل المواقع الدبلوماسية إلى منافع خاصة طويلة الأمد. الأخطر من ذلك أن التمديد المتكرر يخلق بيئة مغلقة مقاومة للتغيير، تعيد إنتاج نفسها، وتُقصي الكفاءات الجديدة.
سفارة القاهرة: نموذج الأزمة
تمثل سفارة السودان بالقاهرة حالة نموذجية لهذا الخلل، حيث تتقاطع فيها ملفات الجالية، والتعليم، والخدمات القنصلية، مع تعقيدات سياسية وإدارية. وفي ظل هذه الأهمية، يصبح استمرار ذات الوجوه لسنوات طويلة دون تقييم شفاف أو محاسبة، مؤشرًا خطيرًا على غياب الحوكمة الرشيدة.
كما أن تعيينات “الوساطة” التي تصاحب هذه التمديدات تُفرغ المؤسسة من مضمونها المهني، وتضعف ثقة المواطنين في الدولة، وتخلق فجوة متزايدة بين السفارة والجالية التي يُفترض أن تخدمها.
آثار كارثية على الدولة والمجتمع
هذه الممارسات لا تقف عند حدود السفارات، بل تمتد آثارها إلى:
إضعاف الأداء المؤسسي وفقدان الكفاءة.
ترسيخ ثقافة الفساد والمحسوبية.
إحباط الكوادر المؤهلة داخل وخارج السودان.
تدهور صورة الدولة في الخارج.
تعقيد قضايا الجاليات بدل حلها.
أين رئاسة مجلس الوزراء ووزارة الخارجية؟
إن مسؤولية وقف هذا النزيف الإداري تقع أولًا على عاتق رئاسة مجلس الوزراء ووزارة الخارجية، باعتبارهما الجهتين المعنيتين بوضع السياسات ومراقبة تنفيذها. الصمت أو التهاون في هذا الملف لا يمكن تفسيره إلا كقبول ضمني باستمرار الفساد.
نحو إصلاح حقيقي:
إن محاربة هذا النمط من الفساد تتطلب إرادة سياسية حقيقية، وإجراءات واضحة، من بينها:
إلغاء التمديد المفتوح وقصره على حالات نادرة ومبررة وموثقة.
وضع سقف زمني صارم للعمل في البعثات الخارجية.
اعتماد نظام شفاف للتقييم والترقيات قائم على الكفاءة والأداء.
فتح باب التقديم العادل للوظائف الدبلوماسية وفق معايير معلنة.
إخضاع السفارات لرقابة دورية مستقلة إدارية ومالية.
تمكين الجاليات من آليات الشكوى والتقييم.
خاتمة:
إن إصلاح الخدمة الدبلوماسية ليس ترفًا إداريًا، بل ضرورة وطنية لاستعادة هيبة الدولة وبناء مؤسساتها على أسس العدالة والكفاءة.
فالدول لا تنهار فقط بالحروب، بل أيضًا بالفساد الصامت الذي يتسلل إلى مفاصلها.
وإذا لم يتم وضع حد لسياسات التمديد الممنهج وتعيينات الوساطة، فإننا لا نواجه مجرد خلل إداري، بل أزمة ثقة عميقة بين الدولة ومواطنيها.
مشاركة الخبر علي :
