*أبعاد_* *مصطفى بشير عيسى يكتب:* *مؤتمر برلين… وصاية مُقنّعة وإعادة تدوير للأزمة السودانية* ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
في لحظة فارقة من تاريخ السودان، حيث تخوض البلاد معركة بقاء وسيادة، يطلّ ما يُسمّى بـ"مؤتمر برلين" في نسخته الجديدة، ليس بوصفه منصة للحل، بل كحلقة إضافية في سلسلة من المحاولات الدولية التي أخفقت مراراً في قراءة الواقع السوداني، أو ربما تعمّدت القفز فوقه.
المؤتمر، في صورته الحالية، لا يبدو معزولاً عن إرث مؤتمري باريس ولندن، بل يمثل امتداداً مباشراً لنهج قائم على تجاوز الإرادة الوطنية، وإعادة تشكيل المشهد السياسي وفق حسابات خارجية، تتصدرها – بحسب قراءات متطابقة – أجندات إقليمية باتت حاضرة بوضوح في تفاصيل المشهد، تمويلاً وتأثيراً وتوجيهاً.
لكن الأخطر في هذه النسخة، أنها تنتقل من مجرد “إدارة الأزمة” إلى محاولة مأسسة الوصاية الدولية على السودان تحت غطاء مدني ناعم، يُراد له أن يبدو تشاورياً، بينما يخفي في جوهره عملية هندسة سياسية مكتملة الأركان.
فخ التمثيل… اختطاف الصوت الشعبي
ما يُسمّى بـ"تمثيل الشبكات" عبر أربعين شخصية فقط، ليس سوى محاولة لإعادة إنتاج ذات النخبة المعزولة عن الشارع، ومنحها تفويضاً زائفاً للحديث باسم ملايين السودانيين.
إنها معادلة مختلة تسعى لفرض “صفوة مصطنعة” كبديل عن الإرادة الشعبية، في تجاهل صارخ لواقع شعب يرفض أن تُصاغ قضاياه في غرف مغلقة خارج حدوده.
تغييب الدولة… الطريق الأقصر للوصاية
الإصرار على توصيف المؤتمر كـ"ندوة مدنية" ليس تفصيلاً لغوياً، بل هو جوهر الأزمة.
ففي ذلك تغييب متعمّد لمؤسسات الدولة السودانية، وعلى رأسها الحكومة والقوات المسلحة، في محاولة لخلق مسار موازٍ يلتف على الشرعية، ويمهّد لفرض واقع سياسي جديد لا يستند إلى الداخل.
هذا التوجه لا يمكن قراءته إلا كخطوة نحو فرض وصاية دولية ناعمة، تتجاوز الدولة وتستبدلها بهياكل بديلة، تُدار من الخارج وتُسوّق داخلياً.
تناقض الخطاب… ازدواجية مكشوفة
يتحدث منظمو المؤتمر عن “وحدة السودان” و“احترام السيادة”، بينما تُعقد اللقاءات دون أدنى تنسيق مع حكومته.
يرفعون شعارات رفض الهياكل الموازية، وهم في ذات الوقت يصنعونها على الأرض.
إنه تناقض فاضح يؤكد أن ما يجري ليس سعياً للحل، بل إدارة للأزمة وفق رؤية تخدم مصالح بعينها.
*المساواة المرفوضة… شرعنة الفوضى*
أحد أخطر ما يُؤخذ على هذه المؤتمرات هو الإصرار على وضع القوات المسلحة السودانية – كمؤسسة وطنية – في كفة واحدة مع مليشيا متمردة متهمة بانتهاكات جسيمة.
هذه المساواة لا تسيء فقط للواقع السوداني، بل تقوّض أسس العدالة، وتفتح الباب أمام شرعنة الفوضى والعنف.
وفي هذا السياق، جاء موقف الخارجية السودانية واضحاً وحاسماً، برفضها القاطع لتجاوز الدولة، واعتبار ذلك سابقة خطيرة في العلاقات الدولية، إلى جانب رفضها المبدئي لأي مساواة بين مؤسسات الدولة وكيانات مسلحة خارجة عن القانون.
لماذا يرفض السودانيون مؤتمر برلين؟
لأنهم يدركون أن:
المؤتمرات التي تُعقد خارج السودان لا تعكس أولويات الداخل
اختيار المشاركين يتم وفق معايير غامضة وموجهة
المخرجات تظل بلا قيمة تنفيذية في غياب الدولة
الهدف الحقيقي هو إعادة تدوير الأزمة لا حلها
الخلاصة… الطريق يبدأ من الداخل
إن محاولة تسويق مؤتمر برلين كمنصة للحل ليست سوى غطاء لفرض واقع سياسي جديد، يعيد إنتاج الفشل تحت عناوين براقة.
والحقيقة التي لا يمكن تجاوزها، أن أي حل لا ينطلق من الداخل السوداني، ولا يحترم مؤسساته، محكوم عليه بالفشل سلفاً.
السودان ليس ساحة لتجارب الآخرين، ولا ملفاً يُدار من خلف الحدود.
هو وطن يمتلك شعباً واعياً، ومؤسسات قادرة، وإرادة لا تُشترى.
ومن هنا، فإن المعركة الحقيقية ليست فقط على الأرض، بل أيضاً في مواجهة كل محاولات الالتفاف على السيادة الوطنية، تحت أي مسمى أو غطاء.
فإما وطن يُدار بإرادة أهله… أو لا وطن.
مشاركة الخبر علي :
