حديث الساعة الهام سالم منصور سقوط رهانات الخارج… ولماذا أصبح الحوار السوداني هو طوق النجاة الأخير
لم يعد فشل المفاوضات الخارجية مجرد تعثر عابر، بل تحول إلى مؤشر واضح على خلل عميق في طريقة إدارة الأزمة السودانية. فمنذ اندلاع الصراع، تعاقبت المبادرات والمنابر، وتعدد الوسطاء، لكن النتيجة كانت واحدة: لا سلام مستدام، ولا اتفاق يوقف نزيف الوطن.
أولاً: لماذا فشلت المفاوضات الخارجية؟
التحليل الواقعي يقودنا إلى عدة أسباب جوهرية:
تضارب الأجندات الدولية والإقليمية
كل دولة دخلت على خط الأزمة كانت تحمل رؤيتها الخاصة، المرتبطة بمصالحها السياسية أو الاقتصادية أو الأمنية. هذا التباين جعل من السودان ساحة لتقاطع المصالح، لا منصة لحل الأزمة.
غياب الفهم العميق للواقع السوداني
الأزمة في السودان ليست صراعاً سياسياً تقليدياً فقط، بل هي تراكمات تاريخية من التهميش، والتباينات الاجتماعية، وتعقيدات الإدارة الأهلية. هذه التفاصيل لا يمكن إدارتها بعقلية الحلول الجاهزة أو النماذج المستوردة.
إقصاء قوى مؤثرة من المشهد التفاوضي
كثير من المبادرات اعتمدت على أطراف محددة، متجاهلة مكونات أساسية في المجتمع السوداني، مما أفقد أي اتفاق محتمل شرعيته وقابليته للتنفيذ على الأرض.
تحول التفاوض إلى إدارة أزمة لا حلها
بعض المنابر ركزت على التهدئة المؤقتة ووقف التصعيد، دون معالجة جذور الأزمة، مما أدى إلى تكرار الانفجارات في كل مرة.
ثانياً: آثار فشل المفاوضات على الداخل السوداني
استمرار الحرب واستنزاف الدولة: الموارد تُهدر، والبنية التحتية تنهار، ومؤسسات الدولة تتآكل.
تفاقم الأزمة الإنسانية: نزوح، لجوء، نقص في الخدمات الأساسية، وتدهور الوضع الصحي والمعيشي.
تفكك النسيج الاجتماعي: تصاعد خطاب الكراهية والانقسامات القبلية والجهوية.
فقدان الثقة في الحلول السياسية: المواطن أصبح يشكك في جدوى أي عملية تفاوضية.
ثالثاً: لماذا الحل في حوار سوداني سوداني؟
الحوار الداخلي ليس مجرد خيار، بل ضرورة استراتيجية، وذلك للأسباب التالية:
الملكية الوطنية للحل
حين يصنع السودانيون الحل بأيديهم، يصبح الالتزام به أقوى، وتنفيذه أكثر واقعية.
فهم دقيق لتعقيدات الأزمة
أبناء السودان هم الأقدر على قراءة واقعهم، وتحديد أولوياتهم، وصياغة حلول تناسب بيئتهم.
إعادة بناء الثقة بين المكونات
الحوار المباشر يفتح الباب للمصارحة والمصالحة، ويعيد جسور الثقة المفقودة.
قطع الطريق أمام التدخلات الخارجية
كلما تأخر الحل الداخلي، زادت مساحة التأثير الخارجي، والعكس صحيح.
رابعاً: التحديات التي تواجه الحوار السوداني
رغم أهميته، إلا أن هذا الخيار يواجه عقبات حقيقية:
انعدام الثقة بين الأطراف
استمرار العمليات العسكرية
غياب قيادة موحدة للعملية السياسية
تأثير القوى الخارجية على بعض الفاعلين
تصاعد الخطاب الإعلامي المتوتر
خامساً: كيف يمكن إنجاح الحوار السوداني؟
لتحويل هذا الخيار إلى واقع، لا بد من توفر شروط واضحة:
وقف إطلاق نار حقيقي وملزم
إشراك كل المكونات دون استثناء
ضمانات وطنية لتنفيذ المخرجات
إدارة حوار شفافة ومحايدة
الاتفاق على مشروع وطني جامع يعيد تعريف الدولة السودانية على أسس العدالة والمواطنة
سادساً: السيناريوهات المحتملة
الاستمرار في الرهان على الخارج
وهذا يعني إطالة أمد الأزمة، وتعميق الانقسام، وربما الوصول إلى مرحلة الانهيار الكامل.
الانتقال إلى حوار داخلي جاد
وهو الطريق الأصعب، لكنه الأكثر أماناً، لأنه يعالج جذور الأزمة لا أعراضها.
خلاصة التحليل
السودان اليوم لا يحتاج إلى مزيد من المبادرات بقدر ما يحتاج إلى إرادة وطنية حقيقية. فالتجربة أثبتت أن الحلول التي تأتي من الخارج تظل ناقصة، ما لم تجد أرضية داخلية صلبة تستند إليها.
إن اللحظة الراهنة تتطلب شجاعة سياسية، وتنازلات متبادلة، وإعلاء مصلحة الوطن فوق كل الحسابات الضيقة. فإما أن ينتصر السودانيون لوطنهم عبر الحوار، أو يتركوا الفراغ لغيرهم ليعيد رسم مستقبلهم وفقاً لمصالحه.
ويبقى السؤال معلقاً:
هل يتقدم صوت الوطن… أم تستمر ضوضاء الصراع؟
الاربعاء ١٥ابريل ٢٢٠٢٦
مشاركة الخبر علي :
