حديث الساعة الهام سالم منصور مولانا آمنة الصادق كبر حين تكبر القامات بمواقف لا تُشترى
في خضم واقع سوداني مضطرب، تتكاثر فيه التحديات وتتعاظم فيه المسؤوليات، تبرز شخصيات قليلة قادرة على أن تصنع الفارق الحقيقي، لا بالكلام ولا بالشعارات، وإنما بالفعل والموقف. ومن بين هذه القامات، تقف مولانا آمنة الصادق، مسجل تنظيمات العمل، شامخةً بثقة، ثابتةً على مبدأ، وكأنها تجسد معنى أن تكون المسؤولية موقفًا لا مجرد موقع.
إن الحديث عن مولانا آمنة الصادق لا يمكن اختزاله في منصب إداري أو وظيفة رسمية، فهي تجاوزت حدود التعريف الوظيفي لتصبح حالة وطنية تستحق التأمل. ففي وقتٍ تتعرض فيه مؤسسات الدولة لضغوط متعددة، وتختبر فيه الإرادات، تظهر هي كخط دفاع قانوني وإداري، يعيد ترتيب المشهد وفق ميزان العدالة والانضباط.
لقد أدركت مبكرًا أن تسجيل وتنظيم العمل ليس مجرد إجراء بيروقراطي، بل هو حجر الزاوية في بناء دولة المؤسسات. فكل تنظيم، وكل كيان، وكل نشاط، إذا لم يُضبط بإطار قانوني واضح، يتحول إلى عبء على الدولة بدل أن يكون سندًا لها. ومن هنا، جاء دورها محوريًا، دقيقًا، ومليئًا بالتحديات، يتطلب شجاعة في القرار، ووضوحًا في الرؤية.
وفي زمن أصبحت فيه المواقف تُقاس أحيانًا بالمصالح، اختارت مولانا آمنة الصادق أن تكون في صف القانون، لا في صف المجاملات. لم تنحنِ للضغوط، ولم تساوم على مبادئها، بل مضت بثبات، ترسم خطًا واضحًا بين ما هو صحيح وما هو خاطئ، دون تردد أو حسابات ضيقة. وهذا ما جعلها تكبر في أعين الناس، لأن الشعوب بطبيعتها تحترم من يقف بثبات، حتى وإن اختلفت معه.
إن قوة مولانا آمنة الصادق لا تكمن فقط في قراراتها، بل في توقيت هذه القرارات. فهي تدرك حساسية المرحلة، وتعي أن التأخير أحيانًا قد يكون أخطر من الخطأ، وأن الحسم في الوقت المناسب هو ما يصنع الفارق بين الفوضى والنظام. وهذا الوعي هو ما جعل أداءها يتسم بالدقة والجرأة في آنٍ واحد.
ولا يمكن إغفال البعد الرمزي في شخصيتها، فهي تمثل نموذجًا مشرفًا للمرأة السودانية التي استطاعت أن تثبت حضورها في واحدة من أكثر المواقع حساسية. لم تدخل هذا المجال لتكون مجرد صورة، بل جاءت لتكون فاعلة، مؤثرة، وصاحبة قرار. وقدمت بذلك رسالة قوية مفادها أن الكفاءة لا تُقاس بالنوع، بل بالفعل.
كما أن ما يميز تجربتها هو قدرتها على تحقيق التوازن بين الصرامة القانونية والوعي المجتمعي. فهي لا تتعامل مع الملفات بروح جامدة، بل تفهم السياق، وتدرك طبيعة المجتمع السوداني، وتسعى إلى أن يكون القانون أداة تنظيم لا وسيلة تعقيد. وهذا ما أكسبها احترامًا واسعًا، حتى من أولئك الذين قد لا تتوافق قراراتها مع مصالحهم.
وفي ظل واقعٍ يحتاج إلى إعادة بناء الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة، تمثل مولانا آمنة الصادق كبر أحد النماذج التي يمكن أن تُسهم في ترميم هذه الثقة. لأن الناس حين يرون مسؤولًا يتحرك وفق القانون، دون تمييز أو محاباة، يشعرون بأن الدولة لا تزال قادرة على حماية نفسها وحماية مواطنيها.
إن المرحلة الراهنة في السودان لا تحتمل أنصاف المواقف، ولا تقبل الرمادية. هي مرحلة تحتاج إلى وضوح، إلى شجاعة، إلى شخصيات تقف في وجه التيار إذا كان التيار خاطئًا. ومولانا آمنة الصادق قدمت نفسها كواحدة من هذه الشخصيات، التي لا تخشى المواجهة، ولا تتراجع أمام التحديات.
ختامًا، يمكن القول إن مولانا آمنة الصادق كبر لم تكبر بمنصبها، بل كبر المنصب بها. لأنها ببساطة أعادت تعريف الدور، وأثبتت أن المسؤول الحقيقي هو من يضع الوطن فوق كل اعتبار. وفي زمنٍ عزّت فيه النماذج، تظل مثل هذه القامات مصدر أمل، بأن السودان، رغم كل شيء، لا يزال ينجب من يقفون في وجه العاصفة بثبات الرجال… وقوة الموقف.
الجمعة١٧ابريل ٢٠٢٦
مشاركة الخبر علي :
