*بين العدالة والمصالحة: لماذا لا يتناقض عفو الدولة مع حقوق الضحايا؟ قراءة واعية في ضوء التجربة الرواندية* *أبعاد | مصطفى بشير عيسى*
القول بأن كل عودة من ساحة القتال إلى حضن الوطن هي “مكافأة على الجريمة” يبدو جذاباً في لحظة الغضب، لكنه في الحقيقة تبسيط مُخلّ لقضية معقّدة. فالدول التي خرجت من حروب أهلية لم تُبنَ بالشعارات، بل بتوازن دقيق بين العدالة والاستقرار. والسودان اليوم أمام هذا الامتحان الصعب: كيف يُنهي الحرب، ويستعيد أبناءه، دون أن يفرّط في حقوق الضحايا؟
التجربة التي كثيراً ما يُستشهد بها هنا هي تجربة الإبادة الجماعية في رواندا، حيث واجهت رواندا واحدة من أبشع الجرائم في العصر الحديث. ومع ذلك، لم تذهب نحو الانتقام الشامل، بل ابتكرت مساراً مزدوجاً: محاكمات للجرائم الكبرى عبر المحكمة الجنائية الدولية لرواندا، وعدالة مجتمعية عبر نظام “الغاتشاتشا”، الذي أتاح عودة آلاف المشاركين بعد الاعتراف والمساءلة والتعويض.
هذه ليست دعوة لتبييض الجرائم، بل لفهم أن إنهاء الحروب لا يتم فقط عبر البندقية أو عبر المحاكم، بل عبر تفكيك دوافع القتال نفسها، وفتح باب الخروج لمن يريد أن يضع السلاح. فهل من المنطقي أن نغلق كل الأبواب ثم نطالب بوقف الحرب؟
الخلط بين “العفو السياسي” و”الإفلات من العقاب” هو جوهر الإشكال. العفو، في التجارب الرشيدة، ليس صك براءة مطلق، بل أداة لإعادة الدمج المشروط: ترك السلاح، الخضوع للترتيبات القانونية، والاندماج في المجتمع. أما الجرائم الجسيمة، فلا تسقط بالتقادم ولا بالترحيب، بل تظل خاضعة للمساءلة وفق القانون.
إن من يرفض عودة أي فرد من ساحة التمرد، بحجة أن ذلك “إهانة للضحايا”، يغفل أن استمرار الحرب هو الإهانة الأكبر. كل يوم تأخير في إنهائها يعني ضحايا جدد، وخراباً أوسع، وكلفة أعلى على المجتمع. العاقل لا يختار بين عدالة ناقصة وحرب مستمرة، بل يبحث عن معادلة تُنهي الحرب وتفتح طريق العدالة.
ثم إن الدولة، أي دولة، لا تُدار بمنطق الثأر، بل بمنطق إدارة الأزمات. فتح باب العودة لا يعني تمجيد العائدين، بل يعني سحب الوقود من نار الحرب. فكل من يخرج من دائرة القتال يُضعفها، ويقرب لحظة التوقف الكامل للنزيف.
السؤال الحقيقي الذي ينبغي أن يُطرح ليس: “لماذا يعودون؟” بل: “كيف نضمن أن لا تتكرر المأساة؟”. والإجابة تبدأ ببناء منظومة عدالة انتقالية واضحة، تفرّق بين من ارتكب جرائم جسيمة ومن انخرط في القتال بحكم الظروف، وتؤسس لمحاسبة عادلة، ومصالحة مسؤولة، وجبر ضرر حقيقي للضحايا.
أبعاد:
الوطن لا يُبنى بإغلاق الأبواب، ولا بإطلاق الأحكام القطعية، بل ببصيرة تُدرك أن السلام يحتاج شجاعة لا تقل عن شجاعة الحرب. إعادة من يختار الوطن ليست خيانة للعدالة، بل خطوة أولى نحوها… شريطة أن تكون في إطار دولة قانون، لا دولة شعارات
مشاركة الخبر علي :
