حديث الساعة إلهام سالم منصور اتحاد الصحفيين ووزير الإعلام… معًا لإعادة مجد الصحافة السودانية
في لحظات التحول الكبرى التي تمر بها الأوطان، لا تكون المعارك فقط في ميادين القتال، بل في ساحات الوعي أيضًا. وهناك، حيث تُصاغ العقول وتُبنى القناعات، تقف الصحافة في الصفوف الأولى، حاملةً رسالة الكلمة، ومسؤولية الحقيقة. وفي السودان، الذي يمر بمرحلة دقيقة من تاريخه، تصبح الحاجة إلى إعلام قوي وموحد أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى.
لقد كانت الصحافة السودانية يومًا ما مدرسة قائمة بذاتها، خرجت أجيالًا من الكُتّاب والمفكرين، وكانت منبرًا حرًا يعكس نبض الشارع ويؤثر في مسار القرار. لكنها، كغيرها من مؤسسات الدولة، لم تسلم من آثار التحديات التي عصفت بالبلاد؛ من أزمات سياسية، وصراعات داخلية، وتدهور في البنية المؤسسية، ما أدى إلى تراجع دورها وتشتت رسالتها.
اليوم، ومع بروز ملامح مرحلة جديدة، تلوح في الأفق فرصة حقيقية لإعادة الاعتبار للصحافة السودانية، واستعادة دورها الريادي. وهنا، يبرز دور اتحاد الصحفيين ووزير الإعلام كشريكين أساسيين في هذه المهمة الوطنية الكبيرة. فالتكامل بين الجسم المهني والجهة الرسمية ليس خيارًا ترفيهيًا، بل ضرورة تفرضها طبيعة المرحلة.
إن اتحاد الصحفيين مطالب اليوم بأن يكون أكثر من مجرد كيان نقابي؛ عليه أن يقود مشروعًا مهنيًا متكاملًا لإعادة بناء الصحفي السوداني، من خلال التدريب، والتأهيل، وترسيخ قيم المهنية والحياد، والدفاع عن حقوق الصحفيين في بيئة عمل آمنة وكريمة. كما أن عليه دورًا محوريًا في توحيد الصف الإعلامي، واحتواء التباينات، وتقديم نموذج يُحتذى به في العمل المؤسسي.
وفي المقابل، تقع على عاتق وزارة الإعلام مسؤولية تاريخية في وضع سياسات إعلامية حديثة، تواكب التحولات الرقمية المتسارعة، وتفتح المجال أمام حرية الصحافة المسؤولة، دون تضييق أو توجيه يُفقدها مصداقيتها. فالإعلام لا يمكن أن يؤدي دوره الحقيقي إلا في بيئة تضمن له الاستقلالية، وتحميه من الضغوط، وتمنحه المساحة ليكون صوتًا للحقيقة.
إن الحديث عن إعادة مجد الصحافة لا ينفصل عن الحديث عن إعادة بناء الدولة نفسها. فالإعلام هو مرآة المجتمع، وإذا كانت هذه المرآة مشروخة أو مشوشة، فإن الصورة التي تُنقل ستكون بالضرورة مشوهة. لذلك، فإن إصلاح الإعلام هو جزء لا يتجزأ من مشروع الإصلاح الوطني الشامل.
ولا يمكن تجاهل التحديات التي فرضها العصر الرقمي، حيث لم تعد الصحافة التقليدية وحدها هي المسيطرة على المشهد، بل دخلت منصات التواصل الاجتماعي كفاعل مؤثر، يحمل في طياته فرصًا كبيرة، لكنه في الوقت ذاته يفتح الباب أمام الشائعات والتضليل. وهنا، تتعاظم مسؤولية الصحافة المهنية في أن تكون مصدرًا موثوقًا للمعلومة، ومرجعية يُعتد بها في زمن الفوضى الإعلامية.
إن الشراكة الحقيقية بين اتحاد الصحفيين ووزير الإعلام يجب أن تقوم على رؤية واضحة، تتجاوز الشعارات إلى الفعل، وتُترجم إلى خطط وبرامج قابلة للتنفيذ. شراكة تُعيد بناء الثقة بين الصحفي والمؤسسة، وبين الإعلام والجمهور، وتضع مصلحة الوطن فوق كل اعتبار.
السودان اليوم لا يحتاج إلى إعلام منقسم أو متنازع، بل إلى إعلام وطني موحد، يُعلي من قيم الحقيقة، ويقف سدًا منيعًا أمام حملات التشويه، ويكون شريكًا في بناء السلام والاستقرار.
إعادة مجد الصحافة السودانية ليست حلمًا بعيد المنال، بل مشروعًا ممكنًا إذا توفرت الإرادة، وتكاملت الجهود، وصَدقت النوايا.
وفي نهاية المطاف، تبقى الحقيقة الثابتة:
أن الأوطان تُبنى بالكلمة كما تُبنى بالفعل،
وأن الصحافة حين تكون حرة ومسؤولة… تكون في مقدمة صُنّاع التاريخ.
فهل تكون هذه اللحظة بداية العودة… أم نؤجل الحلم مرة أخرى؟
مشاركة الخبر علي :
