بقلم د.سعاد فقيري بين التشكيل بالأشخاص والبناء بالآليات: هل تنجح لجنة مكافحة المخدرات؟
في كل مرة يُعاد فيها تشكيل لجنة قومية في السودان، يتكرر ذات السؤال: هل نحن أمام تغيير حقيقي أم مجرد إعادة تدوير للأسماء؟
قرار إعادة تشكيل اللجنة القومية لمكافحة المخدرات يفتح هذا النقاش من زاوية أكثر حساسية، لأن القضية ليست إدارية فقط، بل تمس الأمن المجتمعي والاستقرار الوطني.
أولاً:
إشكالية التكوين بالأشخاص
التشكيل القائم على الأشخاص يركز عادة على:
التوازنات السياسية
التمثيل المؤسسي
الأقدمية الوظيفية
ورغم أهمية هذه الاعتبارات، إلا أنها تعاني من ثلاث مشكلات جوهرية:
غياب معيار الكفاءة التخصصية:
مكافحة المخدرات ليست عملاً شرطيًا فقط، بل قضية متعددة الأبعاد (اجتماعية، اقتصادية، صحية).
ضعف المساءلة الفردية:
عندما تكون المسؤولية جماعية دون مؤشرات أداء واضحة، يذوب التقصير داخل اللجنة.
الجمود المؤسسي:
نفس الوجوه تعني نفس الأساليب، وبالتالي نفس النتائج.
ثانيًا:
جوهر النجاح – الآليات وليس الأسماء
اللجان الناجحة عالميًا لا تُقاس بأعضائها بل بقدرتها التشغيلية.
وهنا تظهر أهمية بناء آليات واضحة تشمل:
1. نظام معلومات وطني موحد
قاعدة بيانات مركزية لحالات الاتجار والتعاطي
ربط بين الشرطة، الصحة، القضاء، والجمارك
تحليل بيانات استباقي بدل رد الفعل
2. آلية تنسيق بين الأجهزة
غرفة عمليات مشتركة
خطوط اتصال مباشرة بين المؤسسات
تحديد واضح للأدوار لتجنب التضارب
3. مؤشرات أداء
عدد الشبكات المفككة
انخفاض نسب التعاطي
سرعة الفصل في القضايا بدون هذه المؤشرات، تصبح اللجنة بلا بوصلة.
4. تمويل مستدام ومخصص
ميزانية واضحة
عدم الاعتماد على المبادرات الظرفية
دعم برامج الوقاية والعلاج، وليس فقط المكافحة الأمنية
ثالثًا:
“نوافذ الفعالية” – المفهوم الغائب
المقصود بنوافذ الفعالية هو المساحات التي تسمح للجنة بأن تؤثر فعليًا، وليس فقط تصدر قرارات. وتشمل:
نافذة تشريعية:
تحديث القوانين لمواكبة أساليب التهريب الحديثة
نافذة مجتمعية:
إشراك المدارس، الإعلام، والمجتمع المدني
نافذة إقليمية:
التعاون مع دول الجوار لمواجهة الشبكات العابرة للحدود
نافذة علاجية: تحويل المتعاطي من مجرم إلى مريض يحتاج إلى إعادة تأهيل
رابعًا:
المخدرات كقضية أمن قومي
لم تعد المخدرات مجرد جريمة تقليدية، بل أصبحت:
مصدر تمويل لشبكات الجريمة المنظمة
أداة تفكيك اجتماعي
تهديد مباشر للشباب
لذلك، أي لجنة لا تعمل بعقلية “الأمن القومي” ستظل محدودة التأثير.
خامسًا:
المعادلة الصحيحة
النجاح لا يكمن في الاختيار بين الأشخاص أو الآليات، بل في الجمع بينهما وفق المعادلة التالية:
أشخاص أكفاء + آليات واضحة + مساءلة صارمة + نوافذ مفتوحة = نتائج حقيقية
خلاصة القول:
إعادة تشكيل اللجنة خطوة إيجابية من حيث الشكل، لكنها لن تُحدث فرقًا جوهريًا ما لم تتحول من “لجنة أسماء” إلى “منظومة عمل”.
السودان اليوم لا يحتاج إلى مزيد من التكوينات، بل إلى مؤسسات قادرة على الفعل، القياس، والمحاسبة.
مشاركة الخبر علي :
