*أبعاد مصطفى بشير عيسى* *وحدة الصف.. وسقوط فخ التشتيت*
في اللحظات المفصلية من عمر الأوطان، تصبح الحكمة السياسية والوعي الوطني هما السلاح الأهم في مواجهة المؤامرات والمهددات، خاصة حين تتكالب الأطراف المعادية على استنزاف الدولة وتشتيت بوصلتها الاستراتيجية. وما يواجهه السودان اليوم من محاولات استدراج نحو صراعات جانبية مع بعض دول الجوار، وعلى رأسها إثيوبيا، لا يمكن فصله عن المشروع الأكبر الذي يستهدف إنهاك الدولة السودانية وإضعاف تركيزها في معركتها الأساسية ضد المليشيا الإرهابية وداعميها الإقليميين وفي مقدمتهم الإمارات.
إن القراءة الواعية للمشهد تؤكد أن هناك جهات تعمل بصورة ممنهجة لدفع السودان نحو فتح جبهات جديدة، أملاً في تشتيت جهود الحكومة والقوات المسلحة وإرباك الجبهة الداخلية، وتحويل الأنظار عن القضية الجوهرية المتمثلة في القضاء على التمرد وتجفيف منابعه السياسية والعسكرية والإعلامية. وهي محاولة مكشوفة تقوم على استثارة العواطف الوطنية وجر البلاد إلى ردود أفعال متسرعة قد تحقق أهداف الخصوم أكثر مما تخدم المصالح العليا للسودان.
لقد أثبتت الدولة السودانية خلال هذه الأزمة قدراً عالياً من النضج السياسي وضبط النفس، وهي تدير الملفات الخارجية بعقل الدولة لا بانفعالات اللحظة. فالسودان، بما يمتلكه من ثقل سياسي وأمني وجغرافي، ليس عاجزاً عن الرد أو التأثير، لكنه يدرك أن قوة الدول الحقيقية لا تقاس فقط بقدراتها العسكرية، بل بحسن إدارة التوقيت واختيار الوسائل المناسبة لحماية الأمن القومي دون الوقوع في فخ الاستنزاف.
ومن هنا فإن التعاطي الرسمي مع الاعتداءات والاستفزازات الأخيرة عكس قدراً كبيراً من الاتزان والمسؤولية، خاصة عبر التحرك الدبلوماسي والإعلامي والقانوني الذي فضح بالأدلة حجم التورط الخارجي في استهداف السودان. كما أن الخطاب الرسمي الذي قدمته مؤسسات الدولة خلال الأيام الماضية أكد وجود تنسيق وانسجام ملحوظ بين أجهزة الدولة المختلفة، الأمر الذي يعزز الثقة في قدرة القيادة على إدارة المرحلة بعقلانية ووعي استراتيجي.
إن الأولوية الوطنية اليوم يجب أن تبقى واضحة وثابتة: دعم القوات المسلحة، واستكمال معركة استعادة الدولة، والقضاء على المليشيا الإرهابية وذراعها السياسي الذي ظل يعمل على تمزيق السودان واستهداف وحدته واستقراره. أما الانجرار نحو معارك جانبية في هذا التوقيت الحساس فلن يخدم سوى المخططات التي تسعى لإضعاف السودان وإغراقه في دوامة صراعات إقليمية مفتوحة.
وفي المقابل، فإن احتفاظ السودان بكافة خياراته السياسية والدبلوماسية والأمنية والعسكرية حق مشروع تكفله سيادة الدولة وواجب حماية الوطن. غير أن الحكمة تقتضي أن تُدار هذه الخيارات وفق حسابات دقيقة تراعي مصلحة السودان أولاً، بعيداً عن دعوات التهييج والانفعال والخطابات العاطفية التي قد تدفع البلاد إلى منزلقات خطيرة.
إن المرحلة الراهنة تتطلب وحدة صف وطني حقيقية، وتماسكاً مجتمعياً وسياسياً وإعلامياً خلف مؤسسات الدولة والقوات المسلحة، مع رفع مستوى الوعي بخطورة الشائعات والحملات الموجهة التي تستهدف ضرب الجبهة الداخلية وبث الفتنة والتشويش. فالمعركة اليوم ليست عسكرية فقط، بل هي أيضاً معركة وعي وإدراك وصبر استراتيجي.
وسيظل السودان، قيادةً وشعباً وجيشاً، قادراً على حماية سيادته ووحدته وأمنه القومي، وهو يتحرك بثقة وثبات عبر الأطر السياسية والدبلوماسية والقانونية، مع الاحتفاظ الكامل بحقه في اتخاذ ما يراه مناسباً من خيارات أخرى إذا اقتضت الضرورة الوطنية ذلك.
وفي نهاية المطاف، فإن الدول الراسخة لا تُستدرج إلى الفخاخ، ولا تُدار بردود الأفعال، بل تنتصر حين تحافظ على تماسكها الداخلي، وتعرف عدوها الحقيقي، وتُحسن إدارة معاركها بعقل الدولة وحكمة التاريخ.
مشاركة الخبر علي :
