د. حيدر البدري.. يكتب في نقطة سطر جديد.. *غباء" المليشيا... استراتيجية الجريمة والتخريب للوصول إلى الحكم* ...
ما الذي يؤهل مليشيا تُمعن في تقتيل المدنيين وتدمير مقدراتهم لحكم دولة؟ سؤالٌ قد يبدو عبثيًا لولا أن واقع الحرب السودانية يطرحه بكل جبروت. منذ اندلاع القتال بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع في 15 أبريل 2023، لم تشهد البلاد حربًا بالمعنى التقليدي بين جيشين يسعيان إلى حسم عسكري، بل عملية تفكيك ممنهج للدولة السودانية نفسها. تفكيكٌ تقوده مليشيا لا تعتمد على أي منطق سياسي أو عسكري متماسك، بل تسير وفق غريزة البقاء والتوسع المدعومة من قوى إقليمية، دون أن تدرك أن ما تفعله في طريقها إلى السلطة هو بالضبط ما يجعل تلك السلطة مستحيلة.
لا يمكن فهم "غباء" المليشيا السياسي بمعزل عن جذورها التاريخية. فقوات الدعم السريع خرجت من رحم مليشيا الجنجويد، تلك الجماعات القبلية التي أسسها نظام الرئيس عمر البشير في دارفور عام 2003 لمواجهة الحركات المسلحة، وارتكبت إبادة جماعية وتهجيرًا قسريًا وتطهيرًا عرقيًا (هيومن رايتس ووتش، 2024). وعوضًا عن تفكيك هذه المليشيا بعد سقوط البشير، أعاد المجلس العسكري الانتقالي هيكلتها ومنحها غطاءً قانونيًا، لتصبح كيانًا موازيًا للجيش النظامي، مسنودًا بثروة هائلة من الذهب وطرق التهريب. هذا التضخم المريع في القوة، دون غطاء سياسي حقيقي أو قاعدة شعبية، جعلها تتصرف كما لو كانت دولة داخل الدولة. ولكنه أيضًا وضعها في مواجهة مع السودانيين أنفسهم.
المعضلة الكبرى التي تكشف "غباء" هذه المليشيا هي العجز عن التحول من عقلية الميليشيا إلى عقلية الدولة. فعوضًا عن السعي إلى كسب الشرعية عبر حماية المواطنين، انخرطت في أعمال نهب وتدمير ممنهج للبنية التحتية المدنية. وثّقت تقارير وكالة رويترز ومكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية أن الحرب ألحقت دمارًا هائلًا بالجسور والطرق ومحطات المياه والمستشفيات والمدارس، لا سيما في العاصمة الخرطوم ودارفور وكردفان. تقول الحكومة السودانية إن تكلفة إعادة الإعمار تصل إلى مئات المليارات من الدولارات، في بلد كان يعاني أصلًا من أزمات اقتصادية طاحنة. فكيف لمن يسعى إلى حكم بلد أن يهدم أساساته؟ إنه عبث لا يمكن تفسيره إلا بمنطق "إما أن نحكم على الأنقاض أو لا يحكم أحد". هذا المنطق ليس غباءً بالمعنى التقليدي، بل هو نتيجة حتمية لطبيعة تنظيمية لا تعرف سوى لغة العنف والاستحواذ، وتفتقر إلى أي رؤية سياسية جامعة.
الغباء العسكري لا يقل فداحة عن الغباء السياسي. إذ تحول قوات الدعم السريع المصانع والمستشفيات إلى ثكنات عسكرية، كما فعلت في مصنع "سكر سنار" و"مجمع جياد"، وتستخدم الأعيان المدنية دروعًا بشرية، في خرق صارخ للقانون الدولي الإنساني. الهجمات بالطائرات المسيرة تستهدف محطات الكهرباء وسدود المياه، كانقطاع التيار الكهربائي عن ولايات كاملة بعد استهداف سد مروي. هذه الاستراتيجية العبثية التي تستهدف شريان الحياة اليومي للمواطنين لا تحقق أي نصر عسكري دائم، بل تزيد من نقمة السكان وتجعل أي تعايش مستقبلي مع هذه القوات مستحيلًا. وكأن قادة هذه المليشيا لا يدركون أن الجيش الذي يواجهونه هو جيش نظامي يملك خبرة قتالية وغطاءً دوليًا، وأن إطالة أمد الحرب عبر أساليب الكر والفر لن تؤدي إلا إلى استنزاف مواردهم البشرية والمادية، التي يعوضونها بمرتزقة أجانب سرعان ما يتبخرون عند أول هزيمة.
وإذا كانت الانتهاكات العسكرية تُفهم في سياق الحرب، فإن الجرائم المرتكبة ضد المدنيين، كما وردت في تقارير الأمم المتحدة ومنظمات حقوقية موثوقة، تضع هذه القوات في مصاف الجماعات الإرهابية. ففي مخيم زمزم للنازحين في دارفور وحده، قتلت قوات الدعم السريع أكثر من ألف مدني خلال ثلاثة أيام في أبريل 2025، وأعدمت 319 شخصًا بينهم أطفال ونساء، واغتصبت 104 أشخاص معظمهم من النساء والفتيات، واستخدمت العنف الجنسي "كأداة لبث الرعب". هذه الجرائم الموثقة تتطابق مع أنماط الانتهاكات في الفاشر وجبال النوبة وأجزاء واسعة من كردفان. فهل يُعقل أن قوةً ترتكب هذا المستوى من الجرائم يمكن أن تدّعي في يوم ما حق تمثيل الشعب السوداني؟ هذا هو مربط الغباء: الاعتقاد بأن السلاح والمال يمكن أن يمحوا ذاكرة الدم، وأن شعبًا دفع ثمن حريته لن يرفض وصاية الجلاد الجديد..
الأرقام وحدها لا تنقل عمق المأساة الإنسانية. فعندما يفقد سكان قرى النيل الأبيض محولات الكهرباء التي تشغل آبار المياه، ويضطرون للنزوح سيرًا على الأقدام تحت لهيب الشمس بحثًا عن شربة ماء، وعندما تتحول مياه الشرب في الأبيض ومخيمات دارفور إلى "عملة نادرة" يتصارع عليها النازحون، وعندما يصطف اللاجئون ساعات طويلة للحصول على كميات محدودة من المياه الملوثة - ندرك أن ثمة قوةً تتعمد إذلال الإنسان السوداني وإخضاعه بالعطش والجوع والمرض. فالمستشفيات باتت منهوبة وخاوية، وتفشى وباء الكوليرا في الخرطوم ليودي بحياة المئات، في مشهد يعيد إلى الأذهان أحلك فصول الحروب الأفريقية.
أمام هذا المشهد، تحولت مشاعر قطاع واسع من السودانيين من رفض سياسي إلى كراهية عميقة تجاه هذه المليشيا، إذ أصبح المواطن السوداني يرى فيها ليس مجرد طرف في نزاع، بل قوة احتلال غريبة عن نسيجه الاجتماعي. عبارات "محتل" و"غازٍ" و"مجرم" لم تعد مجرد شعارات سياسية، بل أصبحت وصفًا لما تعيشه ملايين الأسر السودانية يوميًا تحت وطأة القصف والنهب والتشريد. هذه الكراهية المتنامية تُشكل معضلة استراتيجية وجودية للمليشيا، إذ كيف يمكن لقوة أن تحكم شعبًا يحمل لها كل هذا البغض؟ إن أي تسوية سياسية مستقبلية، سواء عبر التفاوض أو عبر حسم عسكري، ستكون مرهونة بمدى قدرة هذه المليشيا على تقديم مشروع سياسي مختلف، وهو ما يبدو مستحيلًا في ظل استمرار آلة القتل والتدمير.
الأمر الأكثر إثارة للسخرية هو أن هذه المليشيا تُسوق نفسها، عبر آلة إعلامية وإقليمية ضخمة، كممثل لـ"الثورة" و"الهامش" ضد "مركز الخرطوم". غير أن كل أفعالها على الأرض تكذب هذه الدعاية، فهي تُقاتل في الخرطوم والجزيرة والنيل الأبيض، وتدمر أحياء بكاملها، وتنهب ممتلكات الفقراء قبل الأغنياء. أي "هامش" هذا الذي يدمر قرى النازحين ويعتدي على النساء ويقطع المياه عن العطشى؟ إنها مجرد أقنعة إعلامية سرعان ما تسقط أمام الحقيقة الماثلة في كل شارع وقرية ومخيم.
هذه المليشيا تواجه مأزقًا وجوديًا غير مسبوق: فهي من جهة لا تستطيع أن تنتصر عسكريًا على الجيش السوداني الذي استعاد زمام المبادرة وبات يسيطر على أجزاء واسعة من البلاد، ومن جهة أخرى لا يمكنها أن تحكم شعبًا دمرت حياته وقتلت أبناءه. هذا هو مربط "الغباء" . والأرجح أن التاريخ الذي كتبته مليشيا الجنجويد في دارفور قبل عقدين، سيعيد نفسه بفعل التناقضات نفسها: قوةٌ لا تعرف إلا العنف، تحاول أن تفرض نفسها حاكمًا، فتجد نفسها في النهاية منبوذةً لا شرعية لها ولا حاضنة شعبية. لكن الدرس الأهم لكل سوداني ولكل مراقب موضوعي هو أن ما يجري ليس مجرد صراع على السلطة، بل محاولة لإخضاع شعب بأكمله عبر سياسة الأرض المحروقة، وهي محاولة لا يمكن أن تنجح أبدًا مهما امتلكت من سلاح ومال، لأن من يزرع الكراهية لا يمكن أن يحصد الولاء.
نقطة سطر جديد.
مشاركة الخبر علي :
