*زيارة الفاتيكان.. حين تهرب السلطة من رماد الوطن* _د. حسام الدين كركساوي_
▪️في السياسة، لا تُقاس الزيارات الرسمية بعدد الصور التذكارية ولا بفخامة القاعات التي تُعقد فيها اللقاءات، وإنما بما تحمله من نتائج حقيقية تنعكس على حياة الشعوب. ولهذا تبدو زيارة رئيس الوزراء السوداني إلى الفاتيكان، وسط هذا الخراب الوطني الشامل، أقرب إلى مشهد عبثي مكتمل الأركان، يكشف أزمة تفكير عميقة داخل السلطة أكثر مما يعكس حراكاً دبلوماسياً ناضجاً.
السودان اليوم ليس في حاجة إلى خطب عن “التسامح الديني” ولا إلى جلسات بروتوكولية حول “الحوار الإنساني”، بينما المواطن يواجه الموت جوعاً ومرضاً ونزوحاً وانهياراً كاملاً في الخدمات. بلدٌ تتآكل أطرافه بالحرب، تُنهب موارده، وتُدفن أحلام شبابه تحت الركام، لا يحتاج إلى استعراضات رمزية بقدر حاجته إلى دولة تعرف أولوياتها.
زيارة الفاتيكان، في توقيتها وتركيبتها والرسائل المصاحبة لها، لا تبدو منفصلة عن محاولة السلطة تقديم نفسها للخارج باعتبارها “حكومة معتدلة” بعيدة عن الإسلام السياسي أو أي توجهات راديكالية، في محاولة واضحة لكسب رضا الغرب والولايات المتحدة تحديداً. وكأن الحكومة تعتقد أن الطريق إلى الشرعية الدولية يمر عبر بوابات الاسترضاء الرمزي لا عبر بناء دولة محترمة في الداخل.
▪️لكن حتى بهذا المنطق البراغماتي، تبدو الخطوة شديدة السطحية ومحدودة الرؤية. فالعالم لا يحترم الأنظمة التي تنبطح طلباً للقبول، وإنما يحترم الدول التي تمتلك مشروعاً وطنياً واضحاً وإرادة سياسية مستقلة. أما تحويل السياسة الخارجية إلى سلسلة رسائل استجداء معنوية، فهو يكشف حالة من الإفلاس السياسي والعجز عن إنتاج حلول حقيقية للأزمة السودانية.
▪️ثم ماذا سيجني السودان عملياً من هذه الزيارة؟
هل عاد رئيس الوزراء باتفاق اقتصادي؟
هل حمل معه التزامات إنسانية كبرى؟
هل حصل على دعم سياسي مؤثر يوقف الحرب أو يخفف معاناة الناس؟
▪️لا شيء تقريباً سوى بيانات دبلوماسية باردة وصور بروتوكولية لا تُطعم جائعاً ولا تعالج مريضاً.
▪️الأخطر من ذلك أن السلطة تبدو وكأنها منفصلة تماماً عن المزاج الشعبي. ففي الوقت الذي ينتظر فيه السودانيون قرارات شجاعة تعيد الأمن والخدمات وتوقف الانهيار، ينشغل المسؤولون بتحركات خارجية أقرب إلى “السياحة السياسية” منها إلى إدارة دولة منكوبة.
▪️إن المشكلة ليست في زيارة الفاتيكان بحد ذاتها، فالعلاقات الدولية أمر طبيعي، لكن الكارثة تكمن في *اختلال الأولويات* ، وفي عقلية سياسية تعتقد أن تحسين الصورة أمام الخارج أهم من ترميم الوطن من الداخل.
▪️السودان لا يحتاج إلى حملات تجميل دبلوماسية، بل يحتاج إلى مشروع إنقاذ وطني حقيقي. يحتاج إلى حكومة تواجه أزماته بشجاعة، لا سلطة تبحث عن الرضا الدولي عبر الإشارات الرمزية والانحناءات السياسية.
▪️في النهاية، سيظل المواطن السوداني يسأل **السؤال البسيط* :
إذا كانت هذه الجولات لا تعيد لنا أمناً ولا خبزاً ولا دواءً… فلمن تُدار الدولة إذن؟
مشاركة الخبر علي :
