*بين ضرورات الحرب وميزان العدالة.. كيف تتفكك المليشيا من الداخل؟* *أبعاد_مصطفى بشير عيسى*
في خضم الحروب الكبرى، تختلط الأصوات بين نداءات العدالة ومتطلبات المعركة، وبين جراح الضحايا وحسابات الدولة. وفي السودان اليوم، تبدو هذه المعادلة أكثر تعقيداً من أي وقت مضى؛ فالمعركة لم تعد مجرد مواجهة عسكرية، بل أصبحت معركة وجود وطن، ومعركة تفكيك مشروع مليشياوي قائم على الخوف والتضليل والارتهان للخارج.
إن استقبال بعض المنشقين أو المستسلمين من صفوف المليشيا لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره عفواً مفتوحاً أو تجاوزاً لحقوق الضحايا، وإنما باعتباره أداة من أدوات الحرب الذكية التي تهدف إلى تعجيل انهيار المليشيا من الداخل، وتقليل كلفة الدم السوداني، وفتح ثغرات واسعة في جدار التماسك الوهمي الذي تحاول قيادة التمرد إظهاره.
فالحروب الحديثة لا تُحسم دائماً بكثرة الرصاص، وإنما كثيراً ما تُحسم بانهيار الروح المعنوية، وتفشي الشكوك، وانكسار الثقة بين القيادات والجنود. وهذا ما يحدث الآن بالفعل داخل المليشيا. فكل قائد يغادر صفوفها، وكل مجموعة تسلم سلاحها، لا تمثل مجرد رقم عسكري، بل تمثل ضربة نفسية قاصمة لبقية العناصر، ورسالة واضحة مفادها أن المشروع ينهار وأن نهايته باتت أقرب مما يتصور داعموه.
المليشيا قامت منذ البداية على خطاب تعبوي يصور المعركة وكأنها حرب ضد مكونات اجتماعية بعينها، لكن عودة قيادات وعناصر من ذات البيئات التي حاولت المليشيا احتكار الحديث باسمها، ينسف هذه الرواية من جذورها، ويؤكد أن المعركة ليست ضد قبيلة أو جهة أو إقليم، وإنما ضد مشروع فوضى وتمرد وجرائم عابرة لكل القيم الوطنية والإنسانية.
وفي المقابل، فإن إغلاق باب العودة بالكامل، أو التعامل الانفعالي مع كل من ينسلخ عن التمرد، قد يدفع كثيرين إلى القتال حتى النهاية خوفاً من المصير المجهول، وهو ما يعني إطالة أمد الحرب، وزيادة حجم الخراب، وسقوط مزيد من الضحايا الأبرياء. لذلك فإن الدولة حين توازن بين ضرورات الحرب ومقتضيات العدالة، فإنها تتحرك بعقل استراتيجي يقدّم المصلحة العليا للبلاد، لا بمنطق الانتقام اللحظي.
لكن في الوقت نفسه، لا ينبغي أن يتحول هذا الانفتاح التكتيكي إلى تبييض للجرائم أو صناعة أبطال جدد من بعض المتورطين. فالعدالة تظل حقاً أصيلاً لا يسقط بالتقادم، والضحايا لهم حقوق لا يمكن تجاوزها. ومن يثبت تورطه في الدماء والانتهاكات يجب أن يخضع للمحاسبة القانونية العادلة متى ما استقرت الأوضاع، لأن بناء الدولة لا يتم فقط بكسب الحرب، بل أيضاً بإقامة ميزان العدالة وحفظ كرامة الناس.
إن الرسالة الأهم اليوم ليست موجهة للرأي العام فقط، بل لما تبقى داخل صفوف المليشيا نفسها: الطريق إلى النجاة ليس في الاستمرار في حرب خاسرة، ولا في الارتهان لقيادات تبحث عن بقائها ولو على أنقاض السودان، وإنما في العودة إلى الوطن قبل فوات الأوان. فكل يوم تستمر فيه الحرب، يزداد فيه تفكك المليشيا، وتتسع فيه دائرة الشك والخوف داخلها، بينما يضيق هامش المناورة أمام قادتها وداعميها.
والحقيقة التي باتت واضحة أن المليشيا تخسر أهم أسلحتها الآن: الثقة الداخلية. فعندما يبدأ القادة في المغادرة، وتبدأ المجموعات في إعادة حساباتها، فإن ذلك يعني أن مشروع التمرد دخل مرحلة التآكل الذاتي، وهي أخطر مراحل الانهيار على أي تنظيم مسلح.
إن السودان اليوم بحاجة إلى خطاب وطني متزن؛ خطاب لا يفرّط في العدالة، ولا يضيّع فرصة إنهاء الحرب بأقل الخسائر. خطاب يفهم أن قوة الدولة ليست فقط في السلاح، بل في قدرتها على إدارة المعركة بعقل، وتفكيك خصومها سياسياً ونفسياً ومجتمعياً قبل تفكيكهم عسكرياً.
وفي النهاية، فإن الوطن الذي يسع أبناءه العائدين إلى جادة الصواب، هو ذاته الوطن القادر على إنصاف ضحاياه حين تهدأ المعركة. أما المليشيات، فمهما بدت متماسكة، فإن بداية سقوطها الحقيقية تكون دائماً من داخلها.
مشاركة الخبر علي :