بقلم د.سعاد فقيري *بين الإصلاح الإداري والتشريد الوظيفي: كيف تنجو الدولة السودانية من الانهيار المؤسسي؟*
في الوقت الذي ينتظر فيه السودانيون مشروعًا وطنيًا كبيرًا لإعادة بناء الدولة بعد الحرب، تتسرب إلى الرأي العام خطط صادمة تتحدث عن فصل أكثر من سبعة وخمسين ألف موظف من الخدمة المدنية، في خطوة وُصفت بأنها أكبر عملية تقليص وظيفي في تاريخ السودان الحديث.
ورغم أن أي دولة تحتاج إلى مراجعة جهازها الإداري وترشيده، إلا أن معالجة الترهل الوظيفي لا يمكن أن تتم بعقلية المحاسبة الرقمية الباردة، أو بمنهج “التخلص من الأعباء” دون النظر إلى ما تمثله الخدمة المدنية من ذاكرة للدولة وخبرة تراكمية وأمن اجتماعي واقتصادي.
إن المشكلة الحقيقية ليست في عدد العاملين وحده، بل في سوء الإدارة، وضعف التخطيط، والتوسع غير المدروس في الهياكل الحكومية، والتعيينات السياسية، وسياسات الإعفاء وإعادة التعيين التي أرهقت الخزانة العامة وأفقدت المؤسسات استقرارها وهيبتها.
لقد كان من الممكن أن تبدأ الدولة أولًا بتقليص الإنفاق السيادي والتنفيذي قبل التفكير في قطع أرزاق الموظفين البسطاء.
فالتوسع في الوزارات، وكثرة المناصب الدستورية، والتضخم الإداري في بعض المؤسسات، خاصة في وزارة الخارجية والمحطات الخارجية، خلق عبئًا ماليًا هائلًا على الدولة.
كما أن سياسة إعفاء موظفين ثم إعادة تعيينهم في مواقع أخرى أو مؤسسات مختلفة حولت الخدمة المدنية إلى دائرة مغلقة من الاضطراب الإداري، وأدخلت العاملين في حالة من القلق وعدم الاستقرار، بينما ظلت وزارة المالية عاجزة عن الوفاء بالالتزامات الأساسية.
إن الإصلاح الحقيقي لا يبدأ من أسفل الهرم الوظيفي، وإنما من قمته.
ولا يمكن الحديث عن مكافحة الترهل بينما تستمر بعض المؤسسات في الاحتفاظ بهياكل مترهلة، ومستشارين بلا مهام، ووفود خارجية متكررة، ومكاتب دبلوماسية لا تحقق عائدًا سياسيًا أو اقتصاديًا للدولة.
الخطر الأكبر: فقدان الكفاءات
إن أخطر ما في هذه الخطة أنها قد تدفع أصحاب الخبرات والكفاءات إلى الهجرة الجماعية، خصوصًا في قطاعات حساسة مثل:
الطيران المدني
السكة الحديد
الإذاعة والتلفزيون
الإمدادات الطبية
النقل والبنى التحتية
المؤسسات الفنية والهندسية
وهذه المؤسسات لا تُبنى بالقرارات الإدارية وحدها، بل بالتجارب المتراكمة والخبرات الوطنية التي يصعب تعويضها.
كما أن البلاد اليوم ليست في مرحلة انكماش اقتصادي طبيعي، بل في مرحلة إعادة إعمار شاملة تتطلب مضاعفة القوى العاملة، لا تقليصها.
فالسودان يحتاج إلى آلاف المهندسين والفنيين والإداريين والمعلمين والكوادر الصحية لإعادة تشغيل الدولة من جديد.
أين الخلل الحقيقي؟
الخلل الحقيقي في الخدمة المدنية السودانية يتمثل في:
غياب التقييم المهني الحقيقي للأداء.
التعيينات القائمة على المحاصصات والترضيات.
ضعف التحول الرقمي والأتمتة.
تضخم الجهاز التنفيذي والسيادي.
ازدواجية الاختصاصات بين المؤسسات.
ضعف الإنتاجية الحكومية نتيجة غياب التدريب والتأهيل.
غياب التخطيط الاقتصادي طويل المدى.
ولهذا فإن فصل عشرات الآلاف لن يحل الأزمة، بل قد يخلق أزمة اجتماعية وأمنية جديدة.
خطة معالجة سريعة وعاجلة
أولًا: تجميد قرار الفصل الجماعي
يجب وقف أي قرارات جماعية متسرعة إلى حين إجراء دراسة وطنية شاملة تشارك فيها:
وزارة العمل
وزارة المالية
الخبراء الاقتصاديون
النقابات المهنية
مؤسسات الخدمة المدنية
الجامعات ومراكز البحوث
ثانيًا: تقليص الوزارات والهياكل العليا
بدلًا من استهداف الموظف الصغير، يجب:
دمج الوزارات المتشابهة
تقليل عدد الوزراء والمستشارين
مراجعة البعثات الخارجية والسفارات ذات الجدوى المحدودة
تقليل الصرف الإداري والسيادي
ثالثًا: الإحالة الطوعية لا الجبرية
يمكن فتح باب المعاش الاختياري بحوافز محترمة دون إجبار العاملين، مع:
ضمان الحقوق المالية كاملة
توفير تأمين صحي
إنشاء صناديق دعم للمحالين للمعاش
رابعًا: إعادة توزيع الكوادر
بدل الفصل، يتم توجيه العاملين إلى قطاعات تحتاج إلى قوة بشرية مثل:
إعادة الإعمار
الرقمنة الحكومية
التعليم
الصحة
البنى التحتية
الزراعة والصناعات التحويلية
خامسًا: التحول الرقمي التدريجي
الإصلاح الحديث لا يتم بالفصل وإنما بالتطوير، عبر:
الأتمتة الإلكترونية
الحكومة الرقمية
التدريب المستمر
قياس الأداء بالكفاءة والإنتاج
سادسًا: إنشاء مشروعات وطنية منتجة
يجب أن تتجه الدولة لإنشاء:
مشروعات زراعية كبرى
صناعات تحويلية
شركات وطنية للبناء والإعمار
برامج تشغيل للشباب والخبرات المفصولة
حتى لا يتحول المسرّحون إلى قنبلة اجتماعية واقتصادية.
السودان يحتاج إلى بناء الدولة لا تفكيكها
إن المرحلة الحالية تقتضي خطابًا وطنيًا مسؤولًا يعيد الثقة بين الدولة والمواطن، لا قرارات تزيد الاحتقان والخوف.
فالسودان الخارج من الحرب يحتاج إلى استقرار مؤسسي، وعدالة وظيفية، ورؤية اقتصادية متكاملة، لا حلول جزئية تقوم على الأرقام المجردة دون مراعاة الإنسان والدولة معًا.
إن الإصلاح الإداري الحقيقي يبدأ من:
ترشيد السلطة
ضبط الإنفاق
محاربة الفساد
توظيف الكفاءة
وتوجيه الموارد نحو الإنتاج والتنمية
أما تحميل الموظف وحده فاتورة الأزمة، فلن يصنع إصلاحًا، بل قد يفتح أبواب أزمة جديدة أكثر تعقيدًا وخطورة على مستقبل الوطن.
مشاركة الخبر علي :