*بين العفو والعدالة.. فلسفة الدولة السودانية في تفكيك المليشيا* *أبعاد* *بقلم: مصطفى بشير عيسى*
لم تكن التصريحات الأخيرة التي أدلى بها أمجد فريد مجرد حديث سياسي عابر، وإنما جاءت كإعلان واضح عن ملامح فلسفة الدولة السودانية في إدارة واحدة من أعقد مراحل تاريخها الحديث؛ مرحلة تفكيك التمرد، وإعادة بناء المشهد الوطني على أسس جديدة تتجاوز حالة الفوضى والابتزاز السياسي الذي فرضته الحرب.
حديث أمجد فريد كشف بوضوح أن الدولة لا تنظر إلى ملف العائدين والمنشقين من زاوية انتقامية ضيقة، بل تتعامل معه باعتباره جزءاً من معركة أوسع تستهدف تفكيك البنية العسكرية والسياسية للمليشيا، وتجفيف منابعها البشرية والإعلامية والسياسية، وصولاً إلى إنهاء مشروعها بالكامل.
ومن هنا يمكن فهم الرسائل العميقة التي حملتها التصريحات، خاصة فيما يتعلق بفتح الباب أمام العناصر السياسية المتماهية مع الدعم السريع للعودة إلى الصف الوطني، ولكن وفق شروط صارمة وواضحة، أهمها التبرؤ الكامل من المليشيا، والتوقف عن ترويج خطابها، والاعتراف الضمني بأن الرهان على البندقية كان خطأً كارثياً قاد البلاد إلى الدمار والتشريد والانتهاكات.
هذه الشروط تعكس توجهاً جديداً داخل الدولة يقوم على إعادة فرز المشهد السياسي وفق معيار وطني واضح: الانحياز للدولة لا للمليشيا، والانتصار للوطن لا للمصالح الحزبية الضيقة أو الأجندة الخارجية.
وفي تقديري، فإن أخطر ما ورد في حديث أمجد فريد هو ذلك الفصل الذكي والعميق بين مفهوم “العفو العام” وحقوق الضحايا.
فالدولة ـ بحسب ما رشح من التصريحات ـ قد تلجأ إلى استخدام العفو كأداة سياسية وأمنية لتقليل خسائر الحرب، وتشجيع الانشقاقات، وإضعاف ماكينة القتال، لكنها في المقابل لا تملك حق إسقاط الحقوق الخاصة المرتبطة بدماء الأبرياء والانتهاكات التي ارتكبت بحق المدنيين.
وهنا تظهر معادلة بالغة الأهمية:
لا سلام حقيقياً بلا عدالة، ولا عدالة كاملة إذا استمرت الحرب مفتوحة بلا نهاية.
لذلك يبدو أن الدولة تحاول السير في طريق بالغ التعقيد يوازن بين ضرورات إنهاء الحرب، وحقوق الضحايا، ومتطلبات استقرار البلاد مستقبلاً.
ومن زاوية أخرى، فإن حالة الغضب والارتباك التي بدأت تظهر وسط أنصار المليشيا وحلفائها السياسيين عقب موجة الانشقاقات الأخيرة، تكشف حجم الأزمة التي يعيشها مشروعهم السياسي.
فهؤلاء لم يكونوا ينظرون إلى الدعم السريع باعتباره مجرد قوة عسكرية، بل باعتباره أداة ضغط تتيح لهم العودة إلى السلطة عبر تسوية مفروضة بقوة السلاح.
ولذلك كلما تزايدت الانشقاقات، واهتز تماسك المليشيا، ارتفع صراخ حلفائها السياسيين، لأنهم يدركون جيداً أن سقوط المشروع العسكري يعني عملياً سقوط مشروع الابتزاز السياسي بأكمله.
إن بعض القوى التي ظلت تتحدث عن السلام والديمقراطية كانت في الواقع تراهن على استمرار الحرب لتحسين شروط تفاوضها السياسية، ولذلك فإن غضبها من تفكك المليشيا ليس غضباً من أجل الوطن أو المدنيين، وإنما خوفاً من ضياع الجسر الذي كانت تخطط للعبور عبره نحو السلطة مرة أخرى.
ولهذا فإن الرسالة التي يمكن قراءتها من حديث أمجد فريد هي أن السودان يتجه نحو مرحلة جديدة عنوانها:
لا سلاح خارج الدولة،
ولا شراكة مع من تلوثت أيديهم بدعم الفوضى،
ولا عودة للحياة السياسية عبر بوابة الدم والخراب.
إنها معركة تأسيس دولة، لا مجرد معركة ميدان.
ومعركة الوعي ربما تكون اليوم أخطر من معركة السلاح نفسها.
مشاركة الخبر علي :