*دماء المرة.. وصمة عار في جبين الصامتين* *أبعاد_مصطفى بشير عيسى*
في الوقت الذي كان فيه السودانيون يرفعون أكف الضراعة في أيام عيد الأضحى المبارك، كانت قرى المرة والصنوبر وأم سعدون الشريف بغرب بارا تغرق في الدماء، بعد أن امتدت إليها يد الغدر والإرهاب، لتحصد أرواح الأبرياء وتحوّل أفراح العيد إلى مآتم مفتوحة، وتكتب فصلاً جديداً من فصول المأساة السودانية التي صنعتها المليشيا المتمردة ومن يقف خلفها بالمال والسلاح والدعم السياسي والإعلامي.
ما حدث في غرب بارا ليس مجرد حادثة عابرة، بل مجزرة مكتملة الأركان، وجريمة إنسانية تضاف إلى السجل الأسود لمليشيا لا تعرف معنى الدولة ولا قيمة الإنسان، مليشيا جعلت من القتل والنهب والترويع منهجاً ثابتاً، ومن استهداف المدنيين وسيلة للانتقام وكسر إرادة الشعب السوداني.
لقد أثبتت الأحداث أن هذه الحرب لم تعد معركة على السلطة كما يزعم البعض، وإنما مشروع تخريب شامل يستهدف السودان أرضاً وإنساناً وهويةً وتاريخاً. فالمليشيا التي عجزت عن مواجهة القوات المسلحة في ميادين القتال، لجأت إلى استباحة القرى الآمنة وقتل المواطنين العزل، في مشهد يكشف حجم الإفلاس الأخلاقي والعسكري الذي وصلت إليه.
أما الرسالة الأوضح، فهي تلك التي يجب أن تصل إلى دولة الإمارات، التي لا تزال ترفع شعارات المحبة للشعب السوداني، بينما تتجه أصابع الاتهام إليها في دعم المليشيا التي تقتل السودانيين بدم بارد. فكيف يجتمع الحديث عن الإنسانية مع مشاهد القتل والتشريد والنزوح؟ وكيف تُرفع شعارات الاستقرار بينما تُغذّى آلة الحرب التي أحرقت القرى وشرّدت الأسر وملأت الأرض بالمقابر؟
إن دماء شهداء المرة والصنوبر وأم سعدون الشريف لن تغسلها بيانات المجاملة ولا حملات العلاقات العامة، لأن الشعوب لا تنسى من وقف معها، ولا من طعنها في ظهرها وهي تنزف.
ورسالتنا أيضاً لأولئك الذين ما زالوا يزينون وجه المليشيا إعلامياً، ويبيعون المواقف الوطنية بثمن بخس، ويغنون للحرب والخراب مقابل حفنة من الدراهم؛ إن التاريخ لا يرحم، والشعوب تحفظ أسماء من وقفوا مع أوطانهم، كما تحفظ أسماء من تاجروا بدمائها في أحلك اللحظات. اليوم لم يعد هناك مكان للحياد الرمادي، ولا مساحة للتلاعب بالألفاظ، فإما موقف مع السودان وشعبه، أو انحياز واضح لمشروع الفوضى والدمار.
أما الذين يستعدون لعقد المؤتمرات في الخارج، ويتأهبون لمنصات أديس وغيرها لتوجيه السهام نحو القوات المسلحة السودانية، فعليهم أن يدركوا أن الشعب السوداني بات أكثر وعياً من أن تنطلي عليه حملات التشويه المنظمة. فالقوات المسلحة، رغم التحديات والتضحيات، ظلت السد المنيع في وجه مشروع تفكيك الدولة، وظلت تقاتل دفاعاً عن السودان ووحدته وكرامته.
قد يختلف الناس في السياسة، وقد تتباين الآراء حول الأداء، لكن الثابت الذي لا جدال فيه أن الجيش السوداني يخوض معركة وجود نيابة عن الأمة كلها، وأن استهدافه إعلامياً وسياسياً في هذا التوقيت ليس سوى خدمة مجانية لأعداء السودان والمتربصين به.
إن مشاهد الفزع الشعبي في دار حامد، وثبات الأهالي في مواجهة الموت، والتفاف السودانيين حول قواتهم المسلحة، كلها تؤكد أن هذا الشعب لا يمكن كسره، وأن رهانات المتآمرين تتهاوى يوماً بعد يوم.
لقد ظنوا أن الخرطوم ستسقط فينسى السودانيون وطنهم، وظنوا أن النار ستلتهم الجزيرة وكردفان ودارفور فينقسم الناس ويتقاتلون، لكن السودان، رغم الجراح، ما زال واقفاً، وما زالت روحه عصية على الانكسار.
وإذا كانت مجزرة المرة قد أوجعت القلوب، فإنها في المقابل كشفت المعدن الحقيقي لهذا الشعب، وأكدت أن معركة الكرامة الوطنية لم تعد معركة جيش وحده، بل معركة وطن كامل قرر أن يقاوم حتى النهاية.
النصر لم يعد حلماً بعيداً، بل أصبح ماثلاً في صمود الناس، وفي انهيار خطاب المليشيا، وفي اتساع دائرة الوعي الشعبي بخطورة المؤامرة التي تستهدف السودان.
رحم الله شهداء غرب بارا، وشفى الجرحى، وفك قيد النازحين، وحفظ السودان من كيد المتآمرين والطامعين، وجعل هذا الوطن، رغم الدم والرماد، أكثر قوةً وصلابةً ووحدة.
مشاركة الخبر علي :