حديث الساعة الهام سالم منصور مبادرة لمّ شمل أهل السودان.. هدية النصر ومشروع العبور إلى المستقبل
في المنعطفات التاريخية الكبرى التي تمر بها الأمم، تبرز مبادرات وطنية تتجاوز حدود السياسة الضيقة لتصبح مشروعاً وطنياً جامعاً يحمل آمال الناس وتطلعاتهم نحو الاستقرار والوحدة. ومن هذا المنطلق تأتي مبادرة لمّ شمل أهل السودان باعتبارها مبادرة وطنية خالصة، لا تنتمي إلى جهة أو قبيلة أو إقليم، ولا تقوم على أساس المحاصصات أو المصالح الخاصة، وإنما تنطلق من مبدأ راسخ مفاده أن السودان وطن للجميع، وأن الحفاظ عليه مسؤولية جماعية تقع على عاتق كل أبنائه.
لقد عانى السودان خلال السنوات الماضية من تحديات جسام وأزمات متلاحقة تركت آثارها على المجتمع والدولة، وخلقت واقعاً يحتاج إلى كثير من الحكمة والعقلانية والعمل الوطني المخلص. وفي ظل هذه الظروف جاءت مبادرة لمّ شمل أهل السودان لتؤكد أن الحلول الحقيقية لا يمكن أن تأتي إلا عبر الحوار والتلاقي والتوافق الوطني، وأن مستقبل البلاد لا يصنعه الإقصاء ولا الصراعات، بل تصنعه الإرادة الوطنية الجامعة.
وما يبعث على التفاؤل أن هذه المبادرة لم ترفع شعارات للاستهلاك السياسي أو الإعلامي، وإنما نجحت في استقطاب كيانات وطنية كبيرة ومتعددة المشارب والانتماءات، اجتمعت تحت راية الوطن الواحد، واضعةً جانباً الخلافات الثانوية من أجل الهدف الأكبر، وهو حماية السودان والمحافظة على وحدته واستقراره.
لقد ضمت المبادرة أبناء السودان من مختلف بقاعه، من الشرق إلى الغرب، ومن الشمال إلى الجنوب، ومن الوسط إلى أقصى الأطراف، لتؤكد عملياً أن السودانيين قادرون على تجاوز الحواجز المصطنعة عندما تكون مصلحة الوطن هي البوصلة. وهذا التنوع الواسع منح المبادرة قوة معنوية ووطنية كبيرة، وجعلها نموذجاً حقيقياً للوحدة الوطنية التي ينشدها الجميع.
ولعل أهم ما يميز هذه المبادرة أنها لم تغلق أبوابها أمام أحد، بل مدت يدها لكل القوى الوطنية والمجتمعية والإدارات الأهلية والقيادات الفكرية والشبابية والنسوية، ولكل من يؤمن بأن السودان يجب أن يبقى موحداً وقوياً وآمناً. ولذلك لم يكن مستغرباً أن تجد المبادرة تجاوباً واسعاً من مبادرات وطنية أخرى سارعت للالتقاء معها والعمل تحت مظلتها أو التنسيق معها، إدراكاً منها بأن المرحلة تتطلب توحيد الجهود لا تشتيتها.
إن السودان اليوم أحوج ما يكون إلى خطاب جامع يداوي الجراح ويعيد بناء الثقة بين أبناء الوطن الواحد. فالحرب خلفت آثاراً إنسانية واجتماعية واقتصادية عميقة، وهناك أسر فقدت أبناءها، ومواطنون نزحوا من ديارهم، ومجتمعات تحتاج إلى إعادة ترميم النسيج الاجتماعي الذي تأثر بالأحداث. ولذلك فإن مبادرة لمّ الشمل لا تقتصر أهميتها على الجانب السياسي فقط، بل تمتد إلى الجانب الاجتماعي والإنساني والوطني، لأنها تسعى إلى إعادة اللحمة بين السودانيين وترسيخ ثقافة التسامح والتعايش والتكاتف.
كما أن المبادرة تحمل رسالة واضحة إلى العالم مفادها أن السودانيين قادرون على إدارة شؤونهم بأنفسهم، وقادرون على صناعة التوافق الوطني بعيداً عن الضغوط والاستقطابات، وأن وحدة السودان وسيادته واستقراره تمثل خطوطاً حمراء لا يمكن التفريط فيها.
ومن هنا فإننا نضم أصواتنا إلى كل الوطنيين الداعمين لهذه المبادرة، ونؤكد أنها تمثل واحدة من أهم المبادرات التي ولدت من رحم المعاناة الوطنية، وتحولت إلى منصة جامعة لكل الباحثين عن السلام والوحدة والاستقرار.
كما نزف أسمى آيات التهاني والتبريكات إلى القائد العام للقوات المسلحة السودانية الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان، على ما تحقق من صمود وانتصارات أسهمت في الحفاظ على مؤسسات الدولة ووحدة البلاد. ونرى أن مبادرة لمّ شمل أهل السودان تمثل في جوهرها هدية النصر الحقيقية، لأن أعظم الانتصارات ليست تلك التي تتحقق في ساحات القتال فقط، وإنما تلك التي تنجح في جمع أبناء الوطن حول مشروع وطني واحد ورؤية مشتركة للمستقبل.
إن المرحلة المقبلة يجب أن تكون مرحلة بناء لا هدم، ومرحلة توافق لا صراع، ومرحلة شراكة وطنية واسعة تضع مصلحة المواطن فوق كل اعتبار. ومبادرة لمّ شمل أهل السودان تمتلك المقومات التي تجعلها نقطة انطلاق نحو هذا الهدف الكبير إذا ما وجدت الدعم والإسناد من جميع المخلصين لهذا الوطن.
فالسودان أكبر من الانتماءات الضيقة، وأعظم من الخلافات العابرة، وسيظل قوياً بأبنائه ووحدتهم وتماسكهم. وستبقى مبادرة لمّ شمل أهل السودان نموذجاً وطنياً جديراً بالدعم والالتفاف حوله، لأنها تحمل رسالة الوفاق، وتبشر بمستقبل عنوانه الوحدة والاستقرار والسلام والتنمية.
حفظ الله السودان أرضاً وشعباً، وجعل وحدته مصدر قوته، وجمع كلمة أهله على الحق والخير والمحبة، إنه نعم المولى ونعم النصير.
السبت ٣٠مايو ٢٠٢٦
مشاركة الخبر علي :