(الرسالة الثانية للحوار السوداني) *رسالة الأغلبية الصامتة لحين ..* *الحوار السوداني – السوداني: من إدارة الأزمة إلى صناعة المستقبل* *عباس دليل**
*مقدمة*
يمر السودان بمرحلة هي الأدق والأخطر في تاريخه الحديث، حيث تداخلت آثار الحرب مع الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والإنسانية، مما أدى إلى تآكل الثقة بين مكونات المجتمع والدولة، وتراجع فرص التوافق الوطني. وفي مثل هذه الظروف لا يمكن لأي طرف، مهما امتلك من قوة أو نفوذ أو شرعية، أن يحقق استقراراً دائماً أو يبني دولة قابلة للحياة منفرداً.
ومن هنا تبرز أهمية الحوار السوداني – السوداني باعتباره الخيار الوطني الأقل تكلفة والأكثر قدرة على معالجة جذور الأزمة، وبناء توافقات جديدة تؤسس لمستقبل مشترك. فالحوار ليس غاية في حد ذاته، وإنما وسيلة للوصول إلى المشتركات الوطنية، وإدارة الاختلافات بصورة سلمية، وصياغة مشروع وطني جامع يحفظ وحدة البلاد ويحقق الأمن والاستقرار والعدالة والتنمية.
إن نجاح الحوار يتطلب الانتقال من منطق الغلبة والإقصاء إلى منطق الشراكة الوطنية، ومن التركيز على الماضي والصراعات إلى التركيز على المستقبل وفرص البناء وإعادة الإعمار وصناعة الدولة الوطنية الحديثة التي تتسع لجميع أبنائها.
*أولاً: أهداف الحوار*
الهدف الاستراتيجي العام
التوصل إلى توافق وطني شامل يؤسس لوقف الحرب، واستعادة الدولة، وتحقيق السلام المستدام، وبناء نظام سياسي مستقر قائم على المواطنة وسيادة القانون والتداول السلمي للسلطة.
*الأهداف التفصيلية*:-
وقف الحرب وإنهاء النزاع المسلح بصورة مستدامة.
الحفاظ على وحدة السودان وسيادته وسلامة أراضيه.
معالجة جذور الأزمة الوطنية وأسباب الصراع التاريخية.
الاتفاق على أسس الدولة الوطنية الحديثة.
بناء عقد اجتماعي جديد بين الدولة والمجتمع.
وضع ترتيبات انتقالية متوافق عليها.
إعادة بناء المؤسسات الوطنية على أسس الكفاءة والحياد.
تحقيق العدالة والمصالحة الوطنية وجبر الضرر.
وضع رؤية قومية لإعادة الإعمار والتعافي الاقتصادي.
تعزيز الوحدة الوطنية والتعايش السلمي وإدارة التنوع.
*ثانياً: أجندة الحوار وأفضل صيغ إدارته*
*أ. أجندة الحوار*
المحور الأول: وقف الحرب وترتيبات الأمن وإصلاح القطاع الأمني والعسكري وبناء جيش قومي موحد يحتكر السلاح بالدولة .
المحور الثاني: الدولة والدستور
شكل الدولة.
نظام الحكم.
المبادئ الدستورية الحاكمة.
العلاقة بين المركز والأقاليم.
المحور الثالث: الهوية والتنوع
إدارة التنوع الثقافي والعرقي والديني.
تعزيز المواطنة المتساوية.
المحور الرابع: العدالة والمصالحة
العدالة الانتقالية.
جبر الضرر.
المصالحات المجتمعية.
معالجة آثار الحرب.
المحور الخامس: الاقتصاد وإعادة الإعمار
التعافي الاقتصادي.
إعادة الإعمار.
مكافحة الفساد.
إدارة الموارد الوطنية.
المحور السادس: مستقبل التحول السياسي
المرحلة الانتقالية.
الانتخابات.
الأحزاب السياسية.
المشاركة الشعبية.
*ب.أفضل صيغ إدارة الحوار*
الصيغة الأولى: المؤتمر الوطني الجامع
يجمع جميع القوى السياسية والمجتمعية والمهنية والأهلية في مؤتمر شامل يناقش القضايا الكبرى.
الصيغة الثانية: الحوار متعدد المسارات
مسار سياسي.
مسار أمني.
مسار اقتصادي.
مسار مجتمعي.
مسار إنساني.
وهي الصيغة الأكثر عملية في الظروف الحالية.
الصيغة الثالثة: الحوار التدرجي
يبدأ بالقضايا العاجلة مثل وقف الحرب والمساعدات الإنسانية ثم ينتقل للقضايا الاستراتيجية طويلة المدى.
*ثالثاً: أطراف الحوار*
ينبغي أن يكون الحوار شاملاً ومتوازناً ويضم:
مؤسسات الدولة.
القوى السياسية.
الحركات المسلحة.
الإدارات الأهلية والقيادات المجتمعية.
الطرق الصوفية والقيادات الدينية.
منظمات المجتمع المدني.
النقابات والاتحادات المهنية.
الشباب.
النساء.
الأكاديميين والخبراء.
رجال الأعمال والقطاع الخاص.
ممثلي السودانيين بالخارج.
الشخصيات الوطنية المستقلة.
ويجب أن تكون المشاركة وفق معايير موضوعية تمنع الاحتكار والإقصاء.
*رابعاً: متطلبات التهيئة لحوار مثمر*
المتطلبات السياسية
إعلان الالتزام بالحوار كخيار وطني.
وقف الخطاب التحريضي والإقصائي.
بناء الثقة بين الأطراف.
المتطلبات الأمنية
توفير بيئة آمنة للمشاركين.
احترام حرية التنقل والتواصل.
المتطلبات الإعلامية
تبني خطاب داعم للتوافق.
مكافحة خطاب الكراهية.
تعزيز الوعي بأهمية الحوار.
المتطلبات الإنسانية
تسهيل وصول المساعدات الإنسانية.
الاهتمام بقضايا النازحين واللاجئين.
المتطلبات الفنية
إعداد أوراق مرجعية.
تشكيل لجان فنية متخصصة.
الاستفادة من الخبرات الوطنية.
*خامساً: ضمانات تنفيذ مخرجات الحوار وآليات التنفيذ*
تمثل هذه القضية التحدي الأكبر، إذ إن معظم الحوارات السابقة تعثرت بسبب ضعف التنفيذ.
الضمانات السياسية
توقيع الأطراف على ميثاق ملزم.
إعلان الالتزام العلني بالمخرجات.
الضمانات القانونية
تضمين المخرجات في وثائق دستورية وقانونية.
إصدار التشريعات اللازمة للتنفيذ.
الضمانات المؤسسية
إنشاء مجلس وطني لمتابعة التنفيذ.
تشكيل لجان متخصصة لكل محور.
الضمانات المجتمعية
الرقابة الشعبية.
إشراك المجتمع المدني.
نشر التقارير الدورية.
الضمانات الإقليمية والدولية
الاستفادة من الدعم الفني دون وصاية.
حشد الدعم لإعادة الإعمار
توقيع الميثاق الوطني للمستقبل:-
وثيقة جامعة تحدد المبادئ العليا التي لا يجوز تجاوزها.
*خاتمة*
إن الحوار السوداني – السوداني ليس مجرد فعالية سياسية أو مناسبة بروتوكولية، بل يمثل فرصة تاريخية لإعادة تأسيس الدولة على أسس جديدة أكثر عدالة واستقراراً وشمولاً. فالسودان اليوم يقف عند مفترق طرق حقيقي؛ إما استمرار دائرة الصراع والتشظي واستنزاف الموارد والطاقات، وإما الانطلاق نحو مشروع وطني جامع يضع مصلحة الوطن فوق المصالح الحزبية والجهوية والفئوية.
ولكي ينجح الحوار لا بد أن يقوم على الصراحة والشجاعة والواقعية والالتزام بالتنفيذ، وأن يستند إلى إرادة وطنية صادقة تؤمن بأن مستقبل السودان لا يمكن أن يبنيه طرف واحد، وإنما يصنعه جميع السودانيين عبر التوافق والشراكة والعمل المشترك. وعندها فقط يمكن أن يتحول الحوار من أداة لإدارة الأزمة إلى نقطة انطلاق نحو بناء الدولة الوطنية الحديثة وتحقيق السلام المستدام والنهضة الشاملة التي يتطلع إليها الشعب السوداني.
تحويل المشروع من “وثيقة سياسية” إلى: 👉 مطلب شعبي.
وهذا ما يكسر هيمنة الأجندة الأحادية ويوحد اللحمة الوطنية ويحصن الوطن من اطماع الخارج.
ربط السلام بالمشروع الوطني (وليس العكس)
عادة يُقال:
نوقف الحرب ثم نبني الدولة
لكن التجربة تقول:
نصوغ مشروع الدولة أولًا… فيأتي السلام.
لذلك:
يعرض العقد الاجتماعي كـ “صفقة وطنية كبرى”:
سلطة موزعة
موارد عادلة
تمثيل حقيقي
فتصبح الحروب بلا معنى سياسي.
مرحلة انتقالية محايدة محدودة
عند توفر ضغط داخلي + دعم إقليمي (مرغم بالإجماع الداخلي):
يتم فرض:
حكومة انتقالية تكنوقراطية
بمهام محددة:
الإغاثة والعون الإنساني
التحضير الدستوري
الانتخابات
الإستقرار
*جملة ختامة هامة*:
لا تُبنى الدولة بعد انتهاء الحرب… بل تنتهي الحرب عندما يولد مشروع الدولة.
*عباس دليل*
الأحد الموافق 31 مايو 2026
(*باحث في صناعة السياسات وتخطيط الاستراتيجيات وفكر النهضة والتنمية المستدامة*)
مشاركة الخبر علي :