حديث الساعة الهام سالم منصور هيبة وزير الإعلام من هيبة الدولة.. والكلمة الحرة لا تعني هدم المؤسسات
نحترم النقد، ونؤمن بالرأي الآخر، ونعتبر أن الاختلاف في وجهات النظر حق أصيل كفلته الأعراف المهنية قبل أن تكفله القوانين والمواثيق. فالمجتمعات الحية لا تتقدم إلا بالحوار، ولا تتطور المؤسسات إلا بالنقد البناء الذي يهدف إلى الإصلاح والتقويم. ولكن في المقابل، فإن الحرية لا تعني الانفلات، والنقد لا يعني التجريح، وقوة الكلمة لا تعني الوقاحة أو الإساءة أو التشكيك في النوايا والانتماءات الوطنية.
لقد ظلت مهنة الصحافة عبر التاريخ واحدة من أكثر المهن تأثيراً في حياة الشعوب، لأنها تشكل الوعي وتصنع الرأي العام وتؤثر في اتجاهات المجتمع. ولذلك كانت المسؤولية الملقاة على عاتق الصحفيين والإعلاميين كبيرة وعظيمة، لأن الكلمة التي تخرج من قلم الصحفي لا تتوقف عند حدود الورق أو الشاشة، بل تمتد آثارها إلى المجتمع بأكمله.
ومن هذا المنطلق، فإننا عندما نتحدث عن وزير الإعلام فإننا لا نتحدث عن شخص بعينه بقدر ما نتحدث عن مؤسسة رسمية تمثل الدولة في واحدة من أهم الجبهات الوطنية، وهي جبهة الإعلام ومعركة الوعي. فاحترام وزير الإعلام لا يعني الاتفاق معه في كل شيء، كما أن انتقاد أدائه لا يعني إسقاط هيبة المؤسسة التي يمثلها. لكن ما نرفضه هو أن يتحول النقد إلى حالة من الاستهداف الشخصي أو التشكيك في الولاء الوطني أو إطلاق الاتهامات جزافاً دون أدلة أو براهين.
إن هيبة وزير الإعلام من هيبة الدولة، وهيبة الدولة من هيبة مؤسساتها. وعندما تصبح المؤسسات هدفاً لحملات التشكيك المستمرة والإساءات المتكررة، فإن الخسارة لا تقع على الأشخاص بقدر ما تقع على صورة الدولة نفسها. فالدول القوية تُبنى على احترام مؤسساتها مهما اختلف الناس حول من يديرها، لأن المؤسسات تبقى بينما يذهب الأشخاص وتتغير المواقع والمناصب.
إلى زملائنا الصحفيين والإعلاميين، نقول بكل تقدير واحترام: إن المهنة التي ننتمي إليها ليست مجرد وسيلة للتعبير عن الآراء، بل هي رسالة وطنية وأخلاقية عظيمة. ومن حق أي صحفي أن يختلف مع الوزير أو المسؤول أو الحكومة أو أي جهة أخرى، ولكن ليس من حقه أن يجعل من ذلك الاختلاف سبباً للتشكيك في وطنية الآخرين أو ولائهم للقيادة أو للدولة.
إن اتهام الأشخاص في وطنيتهم دون دليل يمثل انزلاقاً خطيراً في الخطاب الإعلامي، لأنه يفتح أبواب الفتنة ويزرع الشكوك داخل المجتمع ويؤدي إلى حالة من الاستقطاب والانقسام لا يحتاجها الوطن في هذه المرحلة الحساسة. فالسودان اليوم يواجه تحديات كبيرة ومعارك متعددة، بعضها عسكري وبعضها سياسي وبعضها إعلامي، ولذلك فإن الحاجة إلى وحدة الصف الوطني أصبحت أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى.
لقد أثبتت الأحداث أن الحروب الحديثة لا تُخاض بالسلاح وحده، وإنما تُخاض أيضاً بالكلمة والصورة والمعلومة. وهناك جهات كثيرة تعمل ليل نهار من أجل ضرب الروح المعنوية للشعوب وإضعاف الثقة في مؤسسات الدول ونشر الإحباط وسط المواطنين. ولذلك فإن الإعلام الوطني مطالب اليوم بأن يكون جزءاً من منظومة الصمود الوطني، لا أن يتحول إلى أداة تُستخدم ـ بقصد أو بغير قصد ـ في خدمة أجندات التشكيك وإثارة الفتن.
ولا يعني هذا الحديث مصادرة حق النقد أو الدعوة إلى الصمت، بل على العكس تماماً، فالنقد المسؤول ضرورة لا غنى عنها، لأنه يكشف الأخطاء ويقترح الحلول ويساعد على تطوير الأداء. لكن الفرق كبير بين النقد الذي يبحث عن الحقيقة وبين الهجوم الذي يبحث عن الإثارة، وبين الرأي الذي يستند إلى الوقائع وبين الاتهامات التي تُطلق بلا مسؤولية.
إن بعض المنصات وبعض الأقلام للأسف أصبحت تتعامل مع الخلافات المهنية وكأنها معارك شخصية، وأصبح البعض يعتقد أن ارتفاع الصوت أو استخدام العبارات الجارحة أو السخرية من المسؤولين هو دليل على الشجاعة والجرأة. والحقيقة أن المهنية لا تُقاس بحجم الإساءة، وإنما تُقاس بقدرة الصحفي على تقديم الحقائق واحترام أخلاقيات المهنة والمحافظة على التوازن والموضوعية.
إن قوة الكلمة لا تعني الوقاحة، والحرية لا تعني الإساءة، والجرأة لا تعني تحطيم القيم المهنية. فالكلمة العظيمة هي التي تبني ولا تهدم، وتوحد ولا تفرق، وتقدم الحقيقة للناس دون تجريح أو تحريض أو تشويه.
وفي هذه المرحلة الحرجة من تاريخ السودان، فإن المسؤولية الوطنية تفرض على الجميع ـ سياسيين وإعلاميين ومثقفين وقيادات مجتمعية ـ أن يضعوا الوطن فوق المصالح الشخصية والخلافات الضيقة. فالمعركة الحقيقية ليست بين صحفي ووزير، ولا بين كاتب ومسؤول، وإنما هي معركة وطن يسعى للحفاظ على وحدته وسيادته واستقراره في مواجهة تحديات كبيرة ومخاطر متعددة.
إن الصحافة السودانية كانت دائماً جزءاً من تاريخ هذا الوطن ونضاله ومسيرته الوطنية، وقد خرج من رحمها رجال ونساء حملوا هموم السودان ودافعوا عن قضاياه في أصعب الظروف. ولذلك فإن الواجب اليوم يقتضي المحافظة على هذه الرسالة النبيلة وعدم السماح بتحويل المنابر الإعلامية إلى ساحات للتشكيك والتخوين وتصفية الحسابات.
فلتكن أقلامنا جسوراً للحوار، ولتكن كلماتنا دعماً للوحدة الوطنية، ولنجعل من اختلافنا مصدر قوة لا سبباً للفرقة. أما الفتن والشائعات والتشكيك غير المسؤول، فلن تنتج إلا مزيداً من الانقسام في وقت يحتاج فيه السودان إلى كل كلمة صادقة وكل موقف وطني مخلص.
إن احترام الرأي الآخر لا يعني السماح بالإساءة، واحترام حرية التعبير لا يعني القبول بالفوضى، وهيبة المؤسسات ليست امتيازاً للأشخاص بل ضرورة لحماية الدولة. لذلك نقول لزملائنا بكل محبة: اختلفوا كما تشاؤون، وانتقدوا كما تشاؤون، ولكن لا تجعلوا من الكلمة جسراً للفتنة، فالحصة وطن، والوطن أكبر من الجميع، وأغلى من الجميع، ويستحق منا جميعاً خطاباً مسؤولاً يليق بتضحيات شعبه وآمال مستقبله.
الاربعاء ٣يونيو٢٠٢٦
مشاركة الخبر علي :