بقلم د. سعاد فقيري عودة الجامعات إلى الوطن.. بين القرار والمسؤولية الوطنية .
في كل الدول التي مرت بأزمات وحروب ونزاعات، كانت عودة المؤسسات الوطنية إلى أداء دورها من داخل الوطن إحدى أهم علامات التعافي واستعادة الدولة لعافيتها. فالجامعات ليست مجرد مبانٍ أو قاعات دراسية، وإنما مؤسسات وطنية تضطلع بمهمة بناء الإنسان وصناعة المستقبل وإعداد الكوادر التي تقود التنمية والإعمار.
ومن هذا المنطلق، فإن القرارات الصادرة بشأن عودة الجامعات السودانية إلى مقارها داخل البلاد يجب أن تُقرأ في إطار مشروع وطني أوسع يهدف إلى استعادة الحياة الطبيعية وإعادة بناء مؤسسات الدولة، لا باعتبارها قرارات إدارية معزولة عن السياق الوطني العام.
ومن الطبيعي أن تختلف الآراء حول توقيت التنفيذ وآلياته ومدى جاهزية بعض المؤسسات والمناطق لاستقبال الطلاب وأعضاء هيئة التدريس. كما أن من حق الأكاديميين وأولياء الأمور والطلاب إبداء ملاحظاتهم ومخاوفهم المشروعة بشأن السكن والخدمات والبنية التحتية والبيئة التعليمية. فالنقد الموضوعي جزء أصيل من العملية الوطنية السليمة.
لكن في المقابل، لا يمكن أن نبني وطنًا إذا أصبح كل قرار سيادي أو تنظيمي محل رفض لمجرد أنه لا يتوافق مع مصالح بعض الأطراف أو ترتيباتها الحالية. فالدول تُبنى باحترام المؤسسات، وتُدار عبر القوانين واللوائح والقرارات التي تصدرها الجهات المختصة، مع السعي المستمر لتطويرها وتصحيح أوجه القصور فيها.
إن الجامعات التي اضطرت إلى العمل خارج السودان بسبب ظروف الحرب أدت دورًا مقدرًا في المحافظة على استمرار العملية التعليمية، ويستحق القائمون عليها الشكر والتقدير على جهودهم. لكن الحلول الاستثنائية لا ينبغي أن تتحول إلى أوضاع دائمة، وإلا فقدت المؤسسات الوطنية ارتباطها ببيئتها ومجتمعها ورسالتها الأساسية.
إن السودان اليوم بحاجة إلى عودة المدارس والجامعات والمستشفيات والمصانع والمؤسسات العامة إلى ممارسة أدوارها من داخل الوطن.
فإعادة الإعمار لا تتم من الخارج، والتنمية لا تُصنع عن بُعد، وبناء الدولة يحتاج إلى حضور مؤسساتها وكوادرها ومواطنيها على أرض الواقع.
وفي الوقت نفسه، تقع على عاتق الدولة مسؤولية كبيرة في تهيئة البيئة المناسبة لهذه العودة، وتوفير الحد الأدنى من الخدمات والأمن والاستقرار والدعم اللوجستي، حتى لا يتحول القرار إلى عبء على الطلاب والأسر، بل يصبح خطوة عملية نحو استعادة الحياة الطبيعية.
إن القضية ليست صراعًا بين مؤيد ومعارض، ولا مزايدة في حب الوطن، وإنما هي بحث عن أفضل السبل لتحقيق المصلحة العامة. ومن واجب الجميع أن يتعاملوا مع هذه المرحلة بروح المسؤولية الوطنية، وأن يقدموا المقترحات والحلول بدلاً من الاكتفاء بالاعتراض أو التخوين.
فإذا كنا نطمح إلى بناء سودان جديد، قوي ومستقر ومزدهر، فإن البداية الحقيقية تكون باحترام مؤسسات الدولة، ودعم القرارات التي تخدم المصلحة الوطنية العامة، والعمل معًا على معالجة التحديات التي تعترض طريق التنفيذ.
الوطن لا يُبنى بالشعارات وحدها، وإنما بالتوافق على مشروع وطني جامع، وبالالتزام بالقانون، وبالاستعداد لتحمل المسؤولية من أجل الأجيال القادمة.
نؤكد مبدأ احترام قرارات الدولة وضرورة عودة المؤسسات الوطنية إلى الداخل كجزء من مشروع إعادة بناء السودان
مشاركة الخبر علي :