لعنات ضيوف الرحمن تطارد، إدارة ميناء سواكن وبعثة حجاج السودان. من الرحاب الطاهرة إلى سواكن، رحلات من الفشل والإهانة. كتب/ عبد اللطيف السيدح
ما إن أزف زمان رحيل حجاج السودان من الرحاب الطاهرة وأعينهم تفيض من الدمع على الفراق المر، وغادروا المشاعر المقدسة وقد غسلوا أرواحهم بماء التوبة والدعاء، حتى فتحت عليهم بعثة الحج السودانية من نار عذابها صفحة أخرى من المعاناة لا علاقة لها بالحج ولا تمت للخدمة بصلة، فهذه البعثة قد فشلت في كل امتحان، وأخفقت في أبسط واجباتها، ثم أرادت من الناس أن يصفقوا لها على هذا الخراب الماثل للعيان.
في بلاد الحرمين كان الحاج يجد النظام حيثما اتجه، والخدمة حيثما حل، والاحترام في كل خطوة يخطوها، أما عندما وصل إلى البواخر التي تعاقدت معها بعثة الحج السودانية، بدأت رحلة العذاب، ساعات من الانتظار، واكتظاظ لا يليق بالبشر، وإجراءات مرتبكة، وفوضى جعلت الحجاج يتساءلون، أين ذهبت الأموال التي دفعناها؟ وأين ذهبت الوعود التي ملأت الأسماع قبل الموسم؟ لكن الكارثة الكبرى كانت في سواكن، فهناك سقطت آخر أوراق التوت عن جسد بعثة الحج السودانية. وهناك ظهرت الحقيقة عارية بلا رتوش ولا بيانات إنشائية ولا مؤتمرات صحفية، مئات الحجاج من الشيوخ والنساء والمرضى وقفوا كالتائهين حول حاويات الأمتعة، يبحثون عن أمتعتهم بين أكوام الفوضى. فلا نظام، ولا ترتيب، ولا معلومات، ولا مسؤول يشرح أو يعتذر أو يتحمل المسؤولية. مشهد مهين لا يليق بحجاج عادوا من بيت الله الحرام، ولا يليق بوطن يحترم نفسه.
لقد دفع هؤلاء الحجاج مبالغ طائلة، ظنا أنهم اشتروا خدمة تحفظ له كرامتهم، فإذا بهم يشترون تذاكرة عودة إلى المعاناة والإرهاق والإذلال، أي بعثة هذه التي تعرف كيف تجمع الرسوم ولا تعرف كيف تقدم الخدمة؟
وأي إدارة هذه التي تتقن إصدار التصريحات ولا تتقن إدارة حقيبة حاج؟ وأي مسؤولين هؤلاء الذين يختفون ساعة المحاسبة كما يختفي السراب في قيظ الصحراء؟
لقد تحولت بعثة الحج السودانية إلى مؤسسة بارعة في صناعة الأعذار، محترفة في توزيع المسؤوليات على الآخرين، لكنها عاجزة عن تحمل مسؤولية واحدة أمام الحجاج الذين دفعوا من أعمارهم وأموالهم ليؤدوا الفريضة.
أما إدارة ميناء سواكن فقد تصرفت وكأن الحجاج عبء ثقيل ألقي على عاتقها، لا ضيوف رحمن عادوا من رحلة العمر. لم تراع كبار السن، ولا المرضى، ولا المراهقين سفر، ولا مراعاة لحرمة الشعيرة التي أداها هؤلاء الحجاج، إن الرحمة، وتحمل المسؤولية، قد غادرا الميناء قبل وصول البواخر إلى المرسى.
والحقيقة التي لا يستطيع أحد إخفاءها أن موسم حج السودان هذا العام سيبقى شاهدا على فشل إداري مدو. فشل لم تصنعه الظروف ولا الإمكانيات المحدودة، بل صنعته عقلية اللامبالاة والاستهتار والارتجال وغياب المحاسبة.
لقد كان المسؤولون يتنافسون على الألقاب والمواكب والصور التذكارية، لكنهم غابوا عندما احتاجهم الحجاج وسط الزحام والضياع والإنهاك. كانوا حاضرين أمام الكاميرات، وغائبين أمام المعاناة، وإذا كانت بعثات الدول الأخرى عادت وهي تتلقى التكريم والإشادة على حسن التنظيم، فإن بعثة الحج السودانية ستعود تحمل على ظهرها جبلا من شكاوى الحجاج وآهاتهم ودعوات المظلومين.
إن أخطر ما في الأمر ليس ضياع الحقائب ولا تأخر الإجراءات، بل ضياع الشعور بالمسؤولية. فعندما يصبح الحاج رقما مهملا بعد أن دفع ما عليه كاملا، وعندما تصبح معاناته خبرا عاديا لا يهز ضمير مسؤول، فاعلم أن الأزمة ليست في البواخر ولا في الميناء وحدهما، بل في إدارة دولة فقدت البوصلة واستمرأت الفشل.
وسيظل السؤال معلقاً في أعناق القائمين على أمر الحج، ماذا ستقولون لرب العالمين عن شيوخ ونساء وأصحاب حاجات وقفوا بالساعات والأيام يبحثون عن أمتعتهم وحقوقهم وكرامتهم، بينما كانت مؤسساتكم تتبادل الصمت وتوزع الأعذار؟
إن الذي وقع ولايزال يقع الآن لحجاجنا في ميناء عثمان دقنة بسواكن من أخطاء وخطايا الدولة الكبرى، وفضيحة كاملة الأركان، عنوانها الكبير، بعثة أخذت من الحجاج أموالهم، وعجزت عن أن تحفظ لهم كرامتهم.
إن شعب السودان ينتظر اليوم قبل الغد من حكومة الأمل ورئيس وزرائها بالأخص إن كان له ذرة من إحساس، قرارا فوريا بحل وتسريح كل من ينتمي لوزارة الشؤون الدينية والأوقاف، و ما يسمى بالمجلس الأعلى للحج والعمرة، قرار يشمل الجميع من كبيرهم إلى صغيرهم، ثم تتم هيكلة شاملة لهذا الجسم الكرتوني، إن كنا فعلا نرغب في إخراج مؤسسة الحج والعمرة من عنق الزجاجة
حسبنا الله ونعم الوكيل.
مشاركة الخبر علي :