بقلم د. سعاد فقيري التوطين.. عندما تتحول النعمة إلى تحدٍ سياسي واجتماعي
ظل التوطين عبر التاريخ أحد أهم الوسائل التي استخدمتها الدول لتحقيق التنمية واستقطاب الكفاءات وتنشيط الاقتصاد. فقد أسهم انتقال الأفراد والأسر بين البلدان في نقل الخبرات والمعارف والثقافات، وأصبح جزءًا من عالم يتجه نحو المزيد من الانفتاح والتواصل.
غير أن التوطين في بعض الحالات تحول من نعمة إلى قضية شائكة تثير تساؤلات سياسية واقتصادية واجتماعية وأمنية، خاصة عندما يصبح وسيلة لاستنزاف الكفاءات الوطنية أو يؤدي إلى اختلالات ديموغرافية أو يخلق ازدواجًا في الولاء والانتماء أو يساهم في هجرة العقول التي تحتاجها الأوطان في مراحل البناء والتنمية.
فالدول المصدرة للكفاءات تنظر بقلق إلى خسارة العقول والخبرات التي أنفقت عليها سنوات طويلة من التعليم والتأهيل، بينما تنظر الدول المستقبلة إلى التوطين باعتباره وسيلة لتعزيز قدراتها الاقتصادية والعلمية والبشرية.
ومن هنا ينشأ التحدي الحقيقي: كيف يمكن إدارة ملف التوطين بما يحقق مصالح الدول والأفراد معًا؟
الحل لا يكمن في منع الهجرة أو تقييد الحريات الشخصية، فذلك لم ينجح في أي تجربة تاريخية، وإنما يكمن في بناء علاقة متوازنة بين الوطن وأبنائه أينما كانوا.
أولاً: تحويل الهجرة من خسارة إلى شراكة
ينبغي النظر إلى المهاجرين والمقيمين في الخارج باعتبارهم امتدادًا للوطن وليسوا قطيعة معه. فالكفاءات الوطنية بالخارج يمكن أن تصبح مصدرًا للمعرفة والاستثمار ونقل التكنولوجيا والخبرات.
ثانيًا: خلق بيئة جاذبة للعودة
لا يعود أبناء الوطن بالشعارات وحدها، بل يعودون عندما يجدون فرصًا حقيقية للعمل والإبداع والاستقرار والعدالة.
ثالثًا: بناء قواعد بيانات وطنية للكفاءات
تمتلك كثير من الدول سجلات دقيقة لخبرائها وعلمائها في الخارج وتعمل على الاستفادة منهم في المشروعات الوطنية الكبرى.
رابعًا: تنظيم ازدواجية المصالح
من حق الإنسان أن يبحث عن حياة أفضل، لكن من حق الدولة أيضًا أن تضع أطرًا قانونية تضمن عدم تعارض المصالح الوطنية مع المواقع الحساسة التي تتطلب ولاءً كاملاً للدولة.
خامسًا: مراجعة سياسات الابتعاث والعمل الخارجي
يجب أن ترتبط برامج الابتعاث والخدمة الخارجية بخطط واضحة لنقل الخبرات والاستفادة منها بعد انتهاء فترة التكليف.
سادسًا: تعزيز مفهوم المواطنة العابرة للحدود
العالم اليوم لم يعد يقوم على فكرة الانتماء الجغرافي فقط، بل على شبكات واسعة من العلاقات الاقتصادية والعلمية والثقافية. لذلك فإن الحفاظ على ارتباط أبناء الوطن بالخارج أصبح ضرورة استراتيجية.
إن التوطين ليس خيرًا مطلقًا ولا شرًا مطلقًا، وإنما هو ظاهرة عالمية تحتاج إلى إدارة حكيمة.
فالدولة الناجحة ليست تلك التي تمنع أبناءها من الرحيل، بل التي تجعلهم مرتبطين بها أينما كانوا، وتستفيد من نجاحاتهم وخبراتهم في خدمة التنمية الوطنية.
وفي حالة السودان، فإن التحدي الأكبر ليس في مغادرة الكفاءات، بل في كيفية بناء وطن يجعل العودة إليه حلمًا، لا تضحية.
فعندما تتوافر الاستقرار والعدالة والفرص والمؤسسات القوية، يصبح الوطن هو الخيار الأول لأبنائه، مهما تعددت أمامهم الخيارات في دول العالم.
مشاركة الخبر علي :