قحت تزحف نحو دار الريح! محمد التجاني عمر قش
مع بداية اعتصام القيادة العامة وانتشار شعارات مثل "تسقط بس" و"أي كوز ندوسو دوس"، برز إلى السطح عدد من الأشخاص الذين لم يكن لهم من قبل أي دور يُذكر في الحياة العامة أو العمل المجتمعي، لكنهم وجدوا في أجواء الفوضى والسيولة السياسية فرصة سانحة لتقديم أنفسهم قادةً ورموزاً لمجتمعاتهم المحلية.
وفي ذلك الوقت، دفعت قوى الحرية والتغيير نحو تكوين ما عُرف بلجان الأحياء، وروّجت لها باعتبارها أجساماً شعبية تتولى حماية الأحياء وتنظيم شؤونها وتقديم الخدمات لسكانها. وللأسف، انطلت هذه الفكرة على كثير من الناس الذين رأوا مجموعة من الشباب، كان بعضهم عاطلاً عن العمل أو بعيداً عن الشأن العام، يتصدرون المشهد ويتحدثون بلغة سياسية وشعارات كبيرة، بينما يجهل كثير منهم المعاني الحقيقية لتلك المصطلحات وأبعادها البعيدة.
ومع مرور الوقت، أتيحت لهذه المجموعات فرصة ملء الفراغ الذي نشأ في عدد من أحياء العاصمة المثلثة وبعض المدن الكبرى، مستفيدة من دعم سياسي وإعلامي وتنظيمي مكّنها من توسيع نفوذها. فتحولت تدريجياً من لجان خدمية إلى كيانات تسعى لمزاحمة المؤسسات الرسمية والتعالي على السلطات المختصة، بل ومحاولة الحلول محلها في بعض الأحيان.
وقد تضخم نفوذ هذه اللجان إلى درجة جعلتها مصدر قلق حتى لبعض الجهات التي ساهمت في إنشائها، إذ تجاوزت الأدوار التي رُسمت لها في البداية، وأصبحت في بعض المناطق تعمل بصورة مستقلة عن أي رقابة أو مساءلة. كما ارتبط اسم بعض عناصرها بحالات من الانفلات والفوضى والصدام مع المواطنين الذين كانوا أكثر وعياً بحقيقة ما يجري وخلفياته.
ومع اندلاع الحرب وانتقال أعداد كبيرة من سكان العاصمة إلى الولايات، انتقلت بعض هذه المجموعات وأفكارها إلى مدن وقرى شمال كردفان. وهناك بدأت تمارس النشاط نفسه ولكن بوسائل مختلفة، مستفيدة من حالة الفراغ الإداري والأمني التي فرضتها الحرب. فأنشأت مجموعات عبر تطبيقات التواصل الاجتماعي، وقدمت نفسها للأهالي باعتبارها نموذجاً حديثاً للتنظيم والعمل المجتمعي، مستفيدة من صورة "القادمين من العاصمة" وما يرتبط بها من تأثير نفسي لدى بعض الشباب.
ولأن كثيراً من الشباب يفتقرون إلى الخبرة السياسية والاجتماعية الكافية لتمييز الأهداف الحقيقية وراء بعض هذه الأنشطة، فقد تمكنت تلك المجموعات من اكتساب نفوذ متزايد داخل بعض المجتمعات المحلية، حتى أصبحت في بعض الأحيان تتدخل في اختصاصات الإدارة الأهلية وتسعى إلى الحلول محلها أو التقليل من دورها التاريخي في إدارة شؤون المجتمع.
وقد ساير بعض قادة المجتمع هذه المجموعات تجنباً للصدام معها في ظروف استثنائية غابت فيها أجهزة الحكم المحلي والشرطة والقضاء عن أداء أدوارها المعتادة، الأمر الذي أتاح مساحة واسعة لتحركات غير منضبطة ساهمت في زيادة الارتباك داخل بعض المناطق.
وما يثير القلق أن بعض هذه المجموعات لم تعد تكتفي بالعمل الاجتماعي أو الخدمي، بل أصبحت طرفاً في الاستقطاب السياسي الحاد الذي تعيشه البلاد، الأمر الذي انعكس سلباً على وحدة المجتمعات المحلية وتماسكها. كما يتهمها كثير من المواطنين بالعمل على إثارة الخلافات، وتأجيج التوترات، واستغلال الأزمات المعيشية والخدمية لتحقيق مكاسب سياسية أو خلق حالة من السخط العام.
إن مناطق دار الريح وشمال كردفان عموماً تواجه اليوم تحديات أمنية واجتماعية كبيرة، الأمر الذي يفرض ضرورة حماية النسيج الاجتماعي من أي محاولات للاستقطاب أو الاختراق، والتمسك بالمؤسسات المجتمعية الراسخة التي أثبتت قدرتها على إدارة الأزمات وحفظ التوازن الاجتماعي عبر عقود طويلة.
فاستقرار المجتمعات لا يتحقق بالشعارات ولا بالمجموعات الطارئة التي تنشأ في ظروف استثنائية، وإنما يقوم على مؤسسات تحظى بالقبول العام والشرعية الاجتماعية، وتعمل وفق الأعراف والقوانين والمصالح الحقيقية للمواطنين.
ولذلك فإن المرحلة الراهنة تتطلب وعياً مجتمعياً كبيراً ويقظة مستمرة تجاه كل ما من شأنه تهديد الأمن والاستقرار أو استغلال معاناة المواطنين لتحقيق أجندات سياسية ضيقة، فدار الريح كانت وستظل عصية على الفوضى، وقادرة على حماية نفسها وقيمها ومؤسساتها الاجتماعية مهما تعاظمت التحديات.
مشاركة الخبر علي :