بقلم د. سعاد فقيري التعليم السوداني في الخارج: من الاستثمار العشوائي إلى الأمن القومي التعليمي .
مدخل
إن التعليم ليس خدمة تجارية فحسب، بل هو أحد أهم أدوات الأمن القومي للدولة. فالدول تحفظ هويتها وثقافتها وقيمها ومشروعها الوطني عبر التعليم، ولذلك فإن أي خلل في إدارة التعليم، خاصة خارج الحدود، ينعكس مباشرة على الأجيال وعلى مستقبل الوطن.
لقد شهدت السنوات الماضية، وحتى قبل اندلاع الحرب، توسعاً كبيراً في إنشاء المدارس السودانية بالخارج، وخاصة في مصر.
غير أن هذا التوسع لم يصاحبه في كثير من الأحيان نظام رقابي صارم يضمن جودة التعليم وسلامة المناهج وكفاءة المعلمين والبيئة المدرسية، فتحولت بعض المدارس إلى مشروعات استثمارية بحتة، بينما تراجعت الجوانب التربوية والأكاديمية التي يفترض أن تكون أساس العملية التعليمية.
التحديات الحالية
أولاً: غياب الرقابة التربوية
أصبحت بعض المدارس تدار بواسطة مستثمرين أو إدارات لا تمتلك خلفية تربوية أو خبرة في إدارة المؤسسات التعليمية، مما أثر على:
جودة التعليم.
الانضباط الأكاديمي.
البيئة المدرسية.
متابعة المناهج.
ثانياً: إشكاليات الكتاب المدرسي
توجد مخاوف حقيقية من:
طباعة الكتب خارج الإشراف المباشر للجهات المختصة.
تفاوت النسخ المطبوعة.
وجود أخطاء أو تعديلات غير معتمدة.
ضعف الرقابة على المحتوى.
وهذا أمر يمس السيادة التعليمية للدولة.
ثالثاً: ضعف التأهيل التربوي للمعلمين
في بعض المدارس:
يتم التعاقد مع معلمين غير مؤهلين تربوياً.
غياب التدريب المستمر.
ضعف نظم التقييم والمتابعة.
رابعاً: تضخم أعداد المدارس السودانية بالخارج
التوسع غير المنظم أدى إلى:
تفاوت كبير في الجودة.
صعوبة الرقابة.
اختلاف المعايير التعليمية.
ضعف الهوية المؤسسية.
رؤية إصلاحية: التعليم السوداني بالخارج كملف أمن قومي
ينبغي أن تتعامل الدولة مع التعليم السوداني خارج البلاد باعتباره ملفاً استراتيجياً وأمنياً، لا مجرد نشاط تعليمي خاص.
المقترح الأول: إنشاء منظومة "مدارس الصداقة السودانية"
تتبع مباشرة لوزارة التربية والتعليم والسفارات السودانية.
المرحلة الأولى
إنشاء خمس مدارس نموذجية كبرى في مصر:
القاهرة الكبرى.
الجيزة.
مدينة السادس من أكتوبر.
الإسكندرية.
أسوان.
تكون مدارس مرجعية عالية الجودة.
أهدافها
خدمة أبناء البعثات الرسمية.
خدمة أبناء السودانيين الراغبين في استمرار المنهج السوداني.
تقديم نموذج تعليمي معتمد ومراقب.
المقترح الثاني: إعادة تنظيم المدارس السودانية الخاصة
يتم خلال فترة انتقالية مدتها 3 سنوات:
تصنيف المدارس إلى:
مدارس معتمدة
تستوفي الشروط التربوية والأكاديمية.
مدارس تحت التصحيح
تمنح مهلة لتوفيق أوضاعها.
مدارس غير مستوفية
توقف تدريجياً.
المقترح الثالث: التحول التدريجي إلى التعليم الوطني للدولة المضيفة
للأسر المستقرة إقامةً طويلة في الخارج.
المبررات
الاندماج الأكاديمي الطبيعي.
الاعتراف بالشهادات.
تخفيف الأعباء الإدارية.
توسيع فرص التعليم العالي.
مع الإبقاء على:
اللغة العربية.
الثقافة السودانية.
التاريخ السوداني.
من خلال برامج مساندة تنظمها السفارات والجاليات.
المقترح الرابع: المجلس الأعلى للتعليم السوداني بالخارج
هيئة مستقلة تضم:
وزارة التربية والتعليم.
وزارة الخارجية.
خبراء المناهج.
التربويين.
ممثلي الجاليات.
مهامه
الترخيص.
الرقابة.
التقييم.
اعتماد المعلمين.
مراجعة المناهج.
المقترح الخامس: الكتاب المدرسي السيادي
يجب أن يصبح:
التأليف مركزياً.
المراجعة مركزية.
الطباعة مرخصة.
النسخة الرقمية موحدة.
مع إنشاء منصة إلكترونية رسمية للكتب والمناهج.
المقترح السادس: رخصة المعلم السوداني بالخارج
لا يسمح بالتدريس إلا بعد:
المؤهل الأكاديمي.
التأهيل التربوي.
اجتياز اختبار الكفاءة.
التدريب الدوري.
المقترح السابع: التحول الرقمي
إنشاء:
مدرسة سودانية إلكترونية موحدة.
بنك أسئلة مركزي.
منصة تعليمية وطنية.
نظام امتحانات إلكتروني.
لضمان وحدة المعايير أينما وجد الطالب السوداني.
خارطة التنفيذ:
السنة الأولى:
حصر جميع المدارس.
مراجعة التراخيص.
إنشاء المجلس الأعلى للتعليم بالخارج.
السنة الثانية:
افتتاح أول مدرستين نموذجيتين.
اعتماد نظام ترخيص المعلمين.
توحيد الكتاب المدرسي.
السنة الثالثة:
اكتمال مدارس الصداقة الخمس.
تصنيف المدارس الخاصة.
تطبيق الرقابة الإلكترونية.
السنة الخامسة:
استقرار النظام الجديد.
دمج التعليم الحضوري والرقمي.
تحقيق جودة تعليمية موحدة.
الخلاصة:
إذا كانت الدولة تعتبر الجيش والأمن والاقتصاد ركائز للأمن القومي، فإن التعليم لا يقل أهمية عنها جميعاً، لأنه المصنع الذي يُنتج المواطن والمعلم والطبيب والمهندس والضابط والقائد. ولذلك فإن إصلاح التعليم السوداني بالخارج يجب أن ينتقل من منطق الاستثمار التجاري إلى منطق السيادة الوطنية والأمن القومي التعليمي، بحيث تحافظ الدولة على جودة التعليم وهوية الأجيال، وفي الوقت نفسه تضمن لأبنائها في الخارج تعليماً معترفاً به وعالي الجودة يواكب متطلبات المستقبل
مشاركة الخبر علي :