بقلم د.سعاد فقيري *حسم التفلتات الأمنية في الخرطوم وفرض هيبة الدولة*
بعد سنوات الحرب وما خلفته من انهيار في مؤسسات الدولة وانتشار السلاح وتفكك المنظومة الأمنية، أصبحت قضية التفلتات الأمنية في ولاية الخرطوم من أهم التحديات التي تواجه مرحلة التعافي وإعادة البناء.
إن فرض هيبة الدولة لا يتحقق بالشعارات أو الإجراءات المؤقتة، بل عبر خطة متكاملة تجمع بين الحسم القانوني والتنمية المجتمعية وإعادة بناء الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة.
أولاً: بسط سيادة القانون
يجب أن يكون القانون هو المرجعية الوحيدة للجميع دون استثناء، وذلك عبر:
إعادة انتشار الشرطة في جميع المحليات والأحياء.
تشغيل أقسام الشرطة والمحاكم والنيابات بصورة كاملة.
إنشاء محاكم ونيابات ميدانية للنظر السريع في الجرائم.
تطبيق العقوبات الرادعة على جرائم النهب والسرقة وحيازة السلاح غير المشروع.
منع أي جهة أو مجموعة من ممارسة سلطات خارج إطار الدولة.
ثانياً: جمع السلاح وتقنين حمله
انتشار السلاح يمثل أكبر مهدد للأمن والاستقرار، لذلك يجب:
تنفيذ حملة شاملة لجمع السلاح غير المرخص.
تحديد فترة زمنية لتسليم الأسلحة طوعاً قبل بدء الإجراءات القانونية.
تشديد الرقابة على تجارة السلاح والذخائر.
إنشاء قاعدة بيانات إلكترونية للأسلحة المرخصة.
ثالثاً: إعادة بناء الأجهزة الأمنية
تحتاج الخرطوم إلى أجهزة أمنية حديثة ومهنية من خلال:
تدريب وتأهيل أفراد الشرطة على العمل في بيئة ما بعد النزاع.
توفير المعدات والوسائل التقنية الحديثة.
إنشاء غرف عمليات مشتركة بين القوات النظامية.
تفعيل الشرطة المجتمعية لتعزيز التواصل مع المواطنين.
رابعاً: تأمين الأحياء والأسواق والمرافق العامة
من خلال:
تكثيف الدوريات الليلية والنهارية.
تركيب كاميرات مراقبة في المواقع الحيوية.
تأمين الأسواق ومحطات المواصلات والمستشفيات.
إنشاء خطوط ساخنة للإبلاغ عن الجرائم والتفلتات.
خامساً: مكافحة الظواهر الإجرامية المنظمة
وتشمل:
عصابات النهب المسلح.
شبكات المخدرات.
سرقة المركبات والممتلكات العامة.
التزوير والاحتيال.
ويتطلب ذلك تكوين وحدات متخصصة في التحريات والمعلومات الجنائية والعمل الاستخباري.
سادساً: إشراك المجتمع في الأمن
الأمن مسؤولية مشتركة بين الدولة والمجتمع عبر:
دعم لجان الأحياء ذات الطابع الخدمي والتوعوي بعيداً عن أي نشاط سياسي.
نشر ثقافة احترام القانون.
تشجيع المواطنين على الإبلاغ عن الجرائم.
إشراك القيادات الدينية والإدارات الأهلية في معالجة النزاعات.
سابعاً: معالجة الأسباب الاقتصادية للتفلتات
لا يمكن تحقيق الأمن المستدام دون معالجة الجذور الاقتصادية، وذلك عبر:
توفير فرص العمل للشباب.
دعم المشروعات الصغيرة والأسر المنتجة.
إعادة تشغيل المصانع والأسواق.
إطلاق برامج تدريب مهني للعائدين والمتأثرين بالحرب.
ثامناً: ضبط الوجود الأجنبي وحركة الدخول والخروج
في مرحلة ما بعد الحرب ينبغي:
إحكام السيطرة على المعابر والحدود.
تنظيم إجراءات الإقامة والعمل.
تحديث قواعد بيانات الوافدين.
مكافحة شبكات الاتجار بالبشر والتهريب.
تاسعاً: استعادة الثقة في الدولة
هيبة الدولة لا تُبنى بالخوف وحده، بل بالعدالة والخدمة العامة.
لذلك يجب:
إعادة الخدمات الأساسية من مياه وكهرباء وصحة وتعليم.
مكافحة الفساد والمحسوبية.
احترام حقوق الإنسان أثناء تنفيذ الإجراءات الأمنية.
تحقيق العدالة وتعويض المتضررين من الحرب.
خاتمة:
إن فرض هيبة الدولة في الخرطوم لا يعني مجرد زيادة القوات الأمنية في الشوارع، بل يعني عودة الدولة بكامل مؤسساتها القانونية والخدمية والتنموية. فعندما يشعر المواطن بالأمن والعدالة وتتوفر له الخدمات الأساسية وفرص الحياة الكريمة، تصبح هيبة الدولة حقيقة راسخة وليست مجرد إجراء أمني مؤقت. فالخرطوم اليوم تحتاج إلى دولة قوية عادلة، تحمي المواطن وتحفظ الحقوق وتفرض القانون على الجميع دون تمييز، لتكون بداية حقيقية لنهضة السودان واستقراره بعد الحرب.
مشاركة الخبر علي :