هكذا يقبض العلم! محمد التجاني عمر قش

كانت آخر محادثة هاتفية أجريتها معه قبل عشرة أيام تقريبا، وقد كان صوته، كعادته، ينم عن جلد وصبر وأبوة وتفاؤل، رغم ما كان يعاني من داء عضال! فأنا أعد نفسي أحد تلاميذه المقربين، وحتى بعد خروجه من السودان بسبب الحرب، واستقراره في الولايات المتحدة الأمريكية، ظل يتواصل معي عبر الهاتف، ويحدثني عن بحوثه ونظرياته في علم التاريخ، بأسلوب العالم المتمكن من علمه، وكنت حريصا على الاستماع لما يقول؛ لعلمي أن الرجل هو أحد أساطين التاريخ، ليس في السودان فحسب، بل في سائر البلدان العربية والأفريقية، حيث تخصص كما يقول في دول الذهب والملح، ويعني بذلك الممالك الإسلامية التي نشأت في غرب أفريقيا سابقا ومنها ممالك البرنو ومالي والسونغاي، ودولة الموحدين، ومساهمات تلك الممالك المبكرة في نشر القرآن والعلوم الشرعية في غرب القارة السمراء. وكان يحدثني عن دخول العرب السودان من البوابة الغربية، التي يرى أنها الأكثر أثرا في تاريخ السودان، وعن ضعف مملكة علوه لأسباب داخلية حتى أنقض عليها حلف الفونج والعبدلاب، وقامت على إثر ذلك سلطنة الفونج التي وضعت اللبنات الأولى لدولة السودان من حيث المجتمع والحدود ونظام الإدارة.
وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم القائل: "إنَّ اللهَ لا يَقْبِضُ العِلْمَ انتزاعًا يَنْتَزِعُهُ مِنَ العِبادِ، ولكنْ يَقْبِضُ العِلْمَ بقَبْضِ العُلَماءِ" فقد رحل عن دنيانا البروفسور عز الدين عمر موسى، أستاذ التاريخ والدراسات المستقبلية في جامعات السودان ونيجريا والمغرب العربي والمملكة العربية السعودية، نسأل الله له الرحمة والمغفرة والعتق من النار، فقد كان فينا رجلا مرجوا، تجده في كافة المناسبات السودانية سواء على المستوى الرسمي أو الشعبي، ينشر علمه المفيد حيثما وجد أذنا صاغية. وقد كان البروفسور عز الدين، رحمه الله، رجلا حاضر البديهة غزير المعرفة، وصاحب تجربة علمية وبحثية امتدت لما يزيد عن ستة عقود، وهو يبحث ويوثق وينشر في المجلات المحكمة والصحف وعرفته دور النشر ببحوثه المعتمدة وكتاباته المتفردة حتى نال جائزة الملك فيصل في التاريخ عن جدارة واستحقاق في عام 2003، عن كتابه "النشاط الاقتصادي في المغرب الإسلامي في القرن السادس الهجري". وهو كتاب يتميز بالمنهجية والموضوعية ويعد مرجعا لا غنى عنه للمهتمين بدراسة الحياة الاقتصادية في المغرب.
البروفسور الراحل عز الدين عمر موسى، نسأل الله له الرحمة والمغفرة، من أعلام المؤرخين السودانيين الذين يشار إليهم بالبنان، وقد كرس جهده لتوثيق التاريخ الاقتصادي الإسلامي خصوصا في المغرب وشمال إفريقيا وغربها. وقد كان مجيدا لعدة لغات أجنبية منها الإنجليزية والفرنسية والإسبانية. وكان يفتخر دوما بأنه درس التاريخ في الجامعة الأمريكية في بيروت على يد المؤرخ المعروف الدكتور نقلا زيادة الذي طبقت شهرت الآفاق، ومن قبل ذلك درس التاريخ على يد مربى الأجيال الأستاذ عبد الباقي محمد في مدرسة وادي سيدنا الثانوية، وهو من الذين أثروا فيه وجعلوه يعشق هذا التخصص.
ومن جانب آخر، عايش الأستاذ الراحل عز الدين عمر موس كثيرا من الأحداث المهمة في تاريخ السودان المعاصر بعد الحركة الوطنية والاستقلال وشارك في معظمها، وهو على معرفة واتصال برموز الحركة الوطنية. البروفسور عز الدين عمر خلف مكتبة عامرة، نقلها إلى مركز العز بن عبد السلام الثقافي الذي أسسه على نفقته الخاصة ليكون مركزا للثقافة والبحث، وقد كان يديره بفعالية واقتدار حتى رحل إلى الدار الآخرة. والبرفسور عز الدين له نظريات خاصة في دراسة التاريخ وله مؤلفات لا يتسع المجال لذكرها، ولكنه باختصار خلف ثروة بحثية لا يستهان به لمن يريدون الاشتغال بالبحث في تاريخ السودان ودول غرب أفريقيا والمغرب العربي. وبرحيله نكون قد فقدنا رجلا وطنيا من الطراز الأول، وعالما باحثا وموثقا، ونحن إذ ننعيه لتلاميذه ومحبيه، نسأل الله أن يتقبله قبولا حسنا ويسع له في قبره مد بصره، وأن يجمعنا به في الرفيق الأعلى، ونعزي أسرته وابناءه والأهل في توتي وبحري والخرطوم والهاشماب وأم درمان، وعموم السودان، وإنا لله وإنا إليه راجعون.
مشاركة الخبر علي :