بقلم د.سعاد فقيري *الصادر القومي السوداني بين حق الاستثمار وواجب حماية السيادة الاقتصادية*
يعد الصادر القومي أحد أهم ركائز الاقتصاد السوداني، فهو المصدر الرئيس للنقد الأجنبي، والضامن لاستقرار سعر الصرف، والمحرك الأساسي لعجلة الإنتاج والتنمية.
وبالنظر إلى ما يمر به السودان من تحديات اقتصادية وأمنية، تبرز تساؤلات جوهرية حول مدى أحقية الأجانب في ممارسة نشاط التصدير، وما إذا كانت القوانين السودانية تكفل لهم هذا الحق، وكيف يمكن للدولة أن تؤمن صادراتها القومية وتحافظ على عائداتها.
إن الأصل في التشريعات السودانية أن تنظيم التجارة الخارجية يخضع للقانون واللوائح التي تضعها الدولة، بما يحقق المصلحة الوطنية ويحافظ على الأمن الاقتصادي.
ولذلك فإن ممارسة نشاط التصدير ليست حقًا مطلقًا لأي شخص، سودانيًا كان أم أجنبيًا، وإنما تتم وفق ضوابط وترخيص وإجراءات رقابية تضمن سلامة النشاط وعودة حصائل الصادر إلى البلاد.
غير أن التجربة العملية أثبتت وجود ثغرات استغلها بعض الأجانب أو بعض ضعاف النفوس من خلال استئجار السجلات التجارية أو استخدام أسماء مواطنين سودانيين لممارسة نشاط التصدير بصورة غير مباشرة، الأمر الذي أدى في كثير من الأحيان إلى تسرب حصائل الصادر، وإضعاف الاقتصاد الوطني، وحرمان الدولة من موارد هي في أمسّ الحاجة إليها.
إن حماية الصادر القومي لا تعني الانغلاق أمام الاستثمار الأجنبي، فالسودان يحتاج إلى رؤوس الأموال والخبرات الخارجية، ولكن ينبغي أن يكون الاستثمار في إطار شراكات حقيقية تضيف قيمة للاقتصاد الوطني، لا أن يتحول إلى وسيلة للسيطرة على صادرات البلاد أو استنزاف مواردها دون عائد حقيقي.
ومن هنا تبرز الحاجة إلى إصلاحات تشريعية وإدارية، من أهمها:
قصر تصدير السلع الاستراتيجية على الشركات الوطنية أو الشركات التي يمتلك السودانيون فيها الحصة المسيطرة.
منع تأجير السجل التجاري أو التستر التجاري بأي صورة كانت، مع توقيع عقوبات رادعة على المخالفين.
إلزام جميع المصدرين بإعادة حصائل الصادر عبر الجهاز المصرفي خلال مدد زمنية محددة.
إنشاء منصة إلكترونية تربط الجمارك والموانئ والبنوك والجهات الرقابية لتتبع الصادرات منذ خروجها وحتى دخول حصيلتها.
تشديد الرقابة على صادرات الذهب والصمغ العربي والثروة الحيوانية والسمسم وغيرها من السلع الاستراتيجية.
إنشاء بورصات سودانية متخصصة للسلع الاستراتيجية لضمان الشفافية وعدالة الأسعار وتعظيم العائد الوطني.
كما أصبح من الضروري التفكير في إصدار قانون لحماية الصادر القومي، يضع الصادرات الاستراتيجية ضمن منظومة الأمن الاقتصادي للدولة، ويمنع أي ممارسات تضر بالمصلحة الوطنية، ويؤسس لهيئة مستقلة لمراقبة حصائل الصادر وضمان دخولها إلى الاقتصاد السوداني.
إن حماية الصادر القومي ليست قضية تجارية فحسب، بل هي قضية سيادة وطنية وأمن قومي.
فالدول التي تحمي مواردها وتحسن إدارتها هي الدول التي تبني اقتصادات قوية وقادرة على مواجهة الأزمات.
واليوم، يقف السودان أمام فرصة تاريخية لإعادة بناء اقتصاده على أسس سليمة، ولن يتحقق ذلك إلا إذا أصبحت الثروات الوطنية ملكًا حقيقيًا للشعب السوداني، وعادت عائدات الصادرات إلى خزينة الدولة، وسُخِّرت في دعم الإنتاج والخدمات والتنمية المستدامة.
إن السيادة الاقتصادية تبدأ من حماية الصادر القومي، فحماية الثروة الوطنية ليست خيارًا، بل واجب وطني ومسؤولية مشتركة تقع على عاتق الدولة والمجتمع والقطاع الخاص.
مشاركة الخبر علي :