بقلم د. سعاد فقيري | التدريب ليس للمجاملات... بل لصناعة قادة السودان
كلما حضرت أو تابعت فعالية تدريبية سودانية، يراودني سؤال واحد: لمن نعقد هذه الدورات؟
هل هي لتبادل المجاملات بين الوجوه التي اعتادت حضور كل المناسبات؟ أم أنها خُلقت لتفتح الأبواب أمام شباب السودان الذين ينتظرون فرصة واحدة تثبت قدراتهم؟
لقد تابعت فعاليات دورة المراسم والعلاقات العامة، وهي دورة قيمة في مضمونها، لكن ما أثار انتباهي أن الحضور غلبت عليه شخصيات لها مكانتها وخبرتها، بينما غاب عنها الشباب والخريجون الذين هم في أمسّ الحاجة إلى هذا النوع من التدريب.
هذه ليست ملاحظة على جهة بعينها، بل هي ظاهرة تتكرر في كثير من برامجنا التدريبية.
وكأننا ما زلنا ندور في الحلقة نفسها؛ الوجوه نفسها، والأسماء نفسها، والمقاعد نفسها، بينما يقف آلاف الشباب خارج القاعة ينتظرون فرصة قد لا تأتي.
إن أخطر ما ورثناه من بعض ممارسات الماضي هو احتكار الفرص، حتى أصبح بعض من اعتادوا الجلوس على الكراسي لا يرون أن بناء الوطن يبدأ بتسليم الراية إلى جيل جديد.
فالكرسي ليس غاية، وإنما وسيلة لخدمة الوطن، ومن لا يصنع من يخلفه فقد فشل في أداء رسالته.
إن السودان الخارج من الحرب لا يحتاج إلى إعادة تدوير الأشخاص، وإنما يحتاج إلى إعادة بناء الإنسان.
ولن يتحقق ذلك إلا إذا أصبحت كل دورة تدريبية، وكل ورشة عمل، وكل منحة، موجهة أولًا إلى الشباب والخريجين والباحثين عن العمل وأصحاب المبادرات.
لا يمكن أن نتحدث عن تجديد الدولة بينما نكرر الوجوه نفسها في كل محفل. ولا يمكن أن نبني مؤسسات حديثة إذا ظلت الفرص حكرًا على دائرة ضيقة من المعارف والأصدقاء والمقربين.
إن شباب السودان اليوم يمتلكون العلم والطموح والقدرة على التعلم السريع، لكنهم يحتاجون إلى من يؤمن بهم، ويمنحهم الفرصة، ويعدهم لتحمل المسؤولية.
أما إبقاؤهم على هامش المشهد، فهو إهدار لأعظم ثروة يملكها الوطن.
رسالتي إلى كل مراكز التدريب والمؤسسات الوطنية:
ضعوا معايير واضحة لاختيار المشاركين، وخصصوا النسبة الأكبر من المقاعد للخريجين والشباب، وافتحوا باب المنافسة العادلة، واجعلوا معيار الاختيار هو الاستحقاق، لا المعرفة، والكفاءة، لا المجاملة.
إن الوطن لا يبنى بالصور التذكارية، ولا بعدد الشخصيات التي حضرت، وإنما يبنى بالشباب الذين يغادرون قاعات التدريب وهم أكثر علمًا، وأكثر قدرة على خدمة بلادهم.
لقد آن الأوان أن نغادر عقلية توريث المقاعد إلى ثقافة توريث الخبرة.
فالقادة الحقيقيون لا يخشون صعود الشباب، بل يصنعونهم، ويتركون لهم المساحة ليواصلوا المسيرة.
إذا أردنا سودانًا قويًا، فلنجعل الشباب في مقدمة الصفوف، لا في آخر قوائم الانتظار.
فالأوطان التي تستثمر في شبابها هي وحدها التي تصنع مستقبلها، أما الأوطان التي تحتكر الفرص، فإنها تؤجل نهضتها بيدها.
مشاركة الخبر علي :