الصلح خير... ولكن! محمد التجاني عمر قش
الصلح من الأمور التي شرعها الله سبحانه وتعالى وحببها وارتضاها لعباده وحثهم عليها رسوله محمد صلى الله عليه وسلم؛ ولذلك لا يرفض مبدأ الصلح إلا مكابر أو جاهل بضرورات التعايش السلمي بين الأفراد والجماعات. ولكي يكون الصلح منهيا للخلافات والنزاعات لابد أن تتوفر له شروط النجاح اللازمة وأولها خلوص النية لله، ومراعاة الأعراف المعمول بها وفق الشرع والنظام السائد وأن يسند لذوي الخبرة والثقاة من الشخصيات المشهود لها بالنزاهة ومنحهم التفويض الكامل لإبرام الصلح حتى يكون مقبولا لدى جميع الجهات المعنية، وإلا كانت المحاولة بابا لمزيد من الاضطراب والشقاق في المجتمع!
وفي واقع الأمر ما جعلني أكتب هذا المقال هو الحديث عن المساعي التي يبذلها بعض المبادرين من زعماء القبائل للصلح بين دار حامد والجبال البحرية على خلفية الأحداث المؤسفة التي جرت قبل سنوات في منطقة تفلنق بمحلية غرب بارا. ونحن لا نملك إلا نقول: "الصلح خير" مع ملاحظة أن كلمة خير جات مجردة من أداة التعريف وذلك يعني أن الصلح يعود بخير مطلق، ونشكر في ذات الوقت القائمين بأمر الصلح ونتمنى لهم التوفيق في رأب الصدع وإنهاء النزاع وإعادة اللحمة إلى سداة المجتمع في ديارنا حتى ينعم الناس بالاستقرار والأمن ويعودوا لممارسة نشاطهم بطمأنينة وإخاء في جو معافى من الشحناء والتباغض.
ولابد من التنويه إلى أن الصلح العرفي هو وسيلة تقليدية لحل النزاعات بين الأفراد أو الجماعات بالاعتماد على الأعراف والتقاليد السائدة، مع مراعاة عدم مخالفة أحكام الشريعة أو القانون. ومن أهم أسسه التراضي وقبول جميع أطراف النزاع باللجوء إلى الصلح، والالتزام بنتيجته. ومن الضرورة بمكان تغليب مصلحة المجتمع والحفاظ على العلاقات الاجتماعية، صلح عادل يرفع الظلم ويعيد الحقوق قدر الإمكان. وفي هذا الصدد لابد من اختيار وسطاء أو حكماء معروفين بالنزاهة ولاستقلال عن أطراف النزاع، مع الالتزام بالعرف المقبول بين الناس والسرية وبذل الجهد المطلوب أمام الجهات المختصة بكل سرية وحياد. ويعد الصلح العرفي أكثر نجاحًا في النزاعات الأسرية والقبلية والمجتمعية البسيطة، لكنه لا يجوز أن يكون وسيلة لإهدار الحقوق أو تعطيل تطبيق القانون في الجرائم التي تتعلق بالحق العام أو التي لا يجيز القانون التصالح بشأنها. لذا ينبغي أن يكون مكمّلًا لمنظومة العدالة، لا بديلًا عنها في الحالات التي تستوجب تدخل القضاء.
وبالنسبة للصلح المعنى الذي يجري الإعداد له حاليا نعتقد أن الوقت غير مناسب لإجراء الصلح أو إنفاذه على أرض الواقع؛ نظرا لأن المنطقة المعنية خارج سيطرة الولاية في الوقت الراهن لوجودها تحت سيطرة المليشيا، وهذا يكفي عذرا لتأجيل الصلح حتى انجلاء الموقف. وفي ذات الوقت لابد من مناقشة مسألة الأرض التي هي سبب النزاع تاريخيا من أجل التوصل إلى حل يرضي طرفي النزاع وفقا للوثائق المتاحة والمتوفرة في إرشيف الولاية في الأبيض والرجوع إلى السوابق المتعلقة بهذا الملف، فهي من الكثرة بحيث تكون مرجعا لمن يريد تحقيق الصلح. ومن المهم أيضا إعطاء الأطراف ذات الصلة الفرصة الكافية لترتيب نفسها وملفاتها لضمان نجاح الصلح. ونشير إلى أهمية الجلوس فقط مع ذوي الصفات الرسمية المعتمدة لدى أطراف النزاع والدولة؛ لأن سوق العمل العام يعج بحملة الألقاب الزائفة؛ خاصة في مجال الإدارة الأهلية، وهنا يبرز دور مجموعة الوساطة لتحري الدقة في تواصلها مع أطراف النزاع.
عموما، نحن مع الصلح ولكن يجب أن يكون وفقا لما ورد أعلاه من موجهات هي من المتطلبات الأساسية للصلح، ونفيد لجنة المساعي الحميدة بأننا نثمن جهدها ونطالبها بتوخي العرف والالتزام بمقتضيات النظام والشرع. وأخيرا نقول إن في التأني السلامة وفي العجلة الندامة، والصلح خير.
مشاركة الخبر علي :