فتوى دينية إدارية حول الاستغناء عن عدد مقدر من موظفي الدولة ________________________________________ جمعها و كتبها: خبير علوم الإدارة : د. عمار ميرغني حسين سوار الدهب. ________________________________________
بسم الله الرحمن الرحيم به الإعانة بدءا و ختما و صلى الله على سيدنا محمد ذاتا و وصفا و اسما.
________________________________________
( 4 )
فتوى دينية إدارية حول الاستغناء عن عدد مقدر من موظفي الدولة
________________________________________
جمعها و كتبها:
خبير علوم الإدارة :
د. عمار ميرغني حسين سوار الدهب.
________________________________________
اكتب هذا المقال العلمي نزولا لرغبة بعض الإعلاميين وايضا لتخصصي الجامعي في علوم الإدارة ثم لأنني من قبيلة موظفي الدولة .و لا بد من القول بأن من واجبات الدولة اتخاذ تدابير لإيجاد اوضاع متوازنه يعيش تحت كنفها اي انسان بصورة معقولة . الحمد لله لم يزل قرار الاستغناء عن عدد كبير من موظفي الدولة في طور اللجنة الفنية لتكوين فكرة و من ثم صناعة قرار متزن .و حقيقة ما يحمد هو الاحساس بوجود إشكالات تحتاج إلى معالجات معقولة .
و سيتضح من خلال هذا المقال ان الموضوع يجب ان يكون مشروعا للدولة يفصل الى برامج و سياسات تفضي في النهاية الى ترتيب البيت الداخلي للقطاع الحكومي فرارا من الترهل و ايضا درءا للعجز. ليس الأمر قرار ينفذ او لا.
نبدا و نثبت معلومة و هي ان هناك واجبات على الدولة حيال عمالها و هناك واجبات لعمالها حيالها في الأوضاع العادية . و دوما الاحكام و القرارات الادارية بجب ان تنظر الى الواقع الذي يعيشه الانسان ، و دراسة الواقع عند الفقهاء اصل شرعي . و الدولة مسؤولة عن المواطن مطلقا و لو عاطلا عن العمل و لعلنا ندري ان بعض الدول تصرف رواتب للعطالى و تقدم خدمات الصحة و التعليم مجانا .
و لنا في تاريخ الإسلام القصص الكثيرة في قيام السلطات بواجباتها حيال الانسان . و معلوم ان اول من دون الدواوين هو امير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، و الديوان سجل ضخم فيه أسماء السكان و تصنيفاتهم و كل ما يتعلق بهم . لماذا ؟ لتوفير مطالبهم و حمايتهم.
أغلى ما تملكه الدول هو الانسان ، المورد البشري .و الدولة مسؤولة عن المواطن مطلقا و مسؤولة عن توفير الحياة الكريمة للانسان، لعموم قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( كلكم راع و كلكم مسؤول عن رعيته...) و امر الإسلام ولاة الأمور بالرفق بالرعية. و الرفق وضع الأمور في نصابها الصحيح.
و لنبدأ هذا المقال العلمي بتحليل الاوضاع العامة للبلاد و نظرة سريعة للواقع..فأقول:
اولا :
و نستهل بطرح السؤال الاتي :
هل اوضاع السودان عادية ؟.
هل هذه القرارات متوافقة مع اوضاع السودان؟
دخلت البلاد في حرب طحون من ابريل 2023 م و لم تزل نيران الحرب مشتعلة في بعض أجزاء البلاد و لم تزل الخرطوم تعاني من اوضاع ما بعد الحرب حيث خربت المليشيا البنى التحتية و لم يكتمل رجوع السكان الا بنسبة محدودة . ٠ و جل السكان موظفين و عمال بالدولة . بل كثير من سكان الولايات لم يرجعوا .
ثانيا :
التعداد السكاني هو المحفز الأول لاكتمال حلقات العمل في القطاعين الحكومي و الخاص . و قد تضعضع حجم السكان نتيجة للحرب مما يعني ان معظم القوى العاملة مهاجرة و لاجئة ، و قد حكت تقديرات المنظمات الدولية ان نسبة كبيرة من السكان تفوق العشرة مليون نسمة غدت بين نازح و لاجئ . مما يعني أن دولاب العمل سيستقيم بعودة السكان . و السكان هم دينمو الحياة ، و الطبقة العاملة في معظمهم و هم القوى الشرائية و هم مظهر الاقتصاد الاول و هم اساس تشغيل اركان العمل في كل الامكنة و الازمنة
ثالثا:
أزمة الاقتصاد السوداني تجعل امر عودة الموظف او العامل في هذه الظروف مرهون بتدابير من جانبه و من جانب الدولة .و لنا ان نقيس هذا بمستوى التضخم الذي اجتاح الاقتصاد السوداني و صار الجنيه السوداني في غاية من الضعف و الضعة و بمقارنة مستوى دخل الموظف او العامل في القطاع العام بسعر صرف الدولار سوف تجد البون شاسع و الفجوة التضخمية توسعت بصورة مهولة ما يعني أن الوضع الاقتصادي محتاج لمعالجات .
رابعا :
اذا كان دولاب العمل يعاني من ترهل وظيفي حاد
،( over staffing)
فلننظر الى علوم الإدارة كيف تعالج هذا الإشكال و سوف نجد ان الاستغناء بالفصل او المعاش اخر الحلول .و الفصل في القطاع العام يتم وفق مجموعة من المخالفات .و لا يتم الاستغناء عن العامل في الدولة الا لأسباب موضوعية و الاستغناء بخلاف الفصل ، فلا يعني الاستغناء الفصل او ( الرفد ). و نجد ان اتخاذ قرار الاستغناء متاح بشروطه و قيوده و أوضاعه الخاصة و وجود التحسبات اللازمة لخدمة الانسان بعد وقوع قرار الاستغناء عنه.
خامسا:
اخذا في الاعتبار النواحي النفسية و الجوانب الإنسانية ( سيكولوجية الإدارة ) . ( psychology of.Mgt). سوف نجد ان قرار الاستغناء عن عدد من العاملين في الدولة قرارا قاسيا و محطم لنفسية العامل في القطاع الحكومي و محبط لطموحه في هذه الفترة الحرجة من تاريخ بلادنا الحبيبة. فالوقت غير مؤات .
سادسا:
هذه القرارات ستؤدي الى فقدان الخبرات المتراكمة و زوال تواصل الاجيال . و العمل الإداري الرصين اهم ما يبنيه هو الخبرات و التجارب.
في ختام هذا المقال المختصر اوصي بالاتي :
1/
تبني الحكومة لمشروع كبير يسمى :
العودة الجاذبة للخرطوم.
يفتح هذا المشروع محفظة مصرفية لاستقطاب الدعم الحكومي و دعم رجال الأعمال الوطنيين و الاجانب و فتح الباب للمساهمات الدولية و المنظمات العالمية .و يوضع لهذا الصندوق أسس لدعم المواطن الذي تضرر من الحرب و اصبح بيته غير صالح للسكن .فقد اثاثات المنزل .فقد مقومات الاستقرار. فقد سيارته . و فوق ذلك فقد قيمة الامن و الاستقرار .فهو محتاج للدعم النفسي و الطمانة اكثر من أحداث أمور تشكل هزات نفسية أخرى.
و عليه في هذه الأوضاع الاقتصادية يجب ان تتدرج الاحكام وفق ما يناسب وضع المجتمع .
2/
طرح النزول و التقاعد المبكر للمعاش كخيار شخصي يخص العامل او الموظف مع تقديم حزمة مقدرة من الحوافز المقنعة له بخيار التقاعد لتدبير امر حياته و مستقبله .
3/
طرح مشروعات استثمار لموظفي القطاع العام بتمويلات ذات تسهيلات معقولة في الدفع مع فترات سماح مريحة .
4/
بذل الجهد لتغيير ثقافة العمل و التأهيل الأكاديمي و ربط سوق العمل بالتعليم .فهناك مجالات حصل فيها ترهل و تكدس و ازدحام و لم تزل الجامعات تخرج آلاف الطلاب في ذات المجالات.
4/
تغيير سياسات تعيين و توظيف الموظفين للقطاع الحكومي بعيدا من الكسب السياسي. و ضرورة ان يكون التعيين على ضؤ وجود خانات عمل حقيقية real vacancies.
5/
إيقاف التعيين في القطاع الحكومي مع الاستغلال الامثل و الاستخدام الجيد للموارد البشرية الموجودة في القطاع الحكومي مع رفع مستوى التاهيل و التدريب لتغطية حالة الاحتياج.لكوادر متخصصة في مجال بعينه ..
و خلاصة القول ان هناك واجبات حكومية يجب القيام بها في حالات انتهاج سياسات الاستغناء عن موظفي و عمال القطاع العام. حتى في سياسة الخصخصة هناك تدابير لمعالجة اوضاع العاملين يجب القيام بها حتى تكون عمليات الخصخصة مكتملة الأركان .
انني متفائل اذا تم النظر الى الموضوع من زاوية واسعة و طرح الأمر كمشروع او سياسة بمصفوفة زمنية مقدرة ذات برامج مدروسة حتى يكون برنامج ترتيب القطاع العام خيرا و بركة على السودان .
مشاركة الخبر علي :