حديث الساعة إلهام سالم منصور لمّ شمل أهل السودان عبر بوابة الإدارة الأهلية... حين تثبت الأيام صحة الرؤية
عندما أطلقت مبادرة لمّ شمل أهل السودان عبر بوابة الإدارة الأهلية، كنت على يقين بأن السودان لن يخرج من آثار الحرب إلا بتكاتف أبنائه، وأن الإدارة الأهلية ستظل صمام الأمان الحقيقي للنسيج الاجتماعي، بما تملكه من تاريخ راسخ، وحكمة متوارثة، واحترام واسع بين مكونات المجتمع السوداني.
لم تكن المبادرة مشروعًا إعلاميًا يبحث عن الأضواء، ولا منصة إخبارية عابرة كما اعتقد البعض، فغادرها قبل أن يدرك أهدافها الحقيقية. بل كانت رؤية وطنية انطلقت من قراءة عميقة لطبيعة المجتمع السوداني، وإيمان راسخ بأن السلام الحقيقي يبدأ من المجتمع قبل السياسة، وأن وحدة السودان لا تُفرض بالقرارات، وإنما تُبنى بالحوار، والتسامح، والمصالحات المجتمعية.
لقد أثبتت الحرب أن السودان يحتاج إلى مشروع وطني جامع يعيد الثقة بين مكوناته، ويعالج آثار الانقسام، ويعيد الاعتبار لقيم التعايش والإخاء التي عُرف بها السودانيون عبر تاريخهم. ومن هنا جاءت المبادرة لتجعل من الإدارة الأهلية بوابةً للمصالحة، وجسرًا لوحدة الصف، بعيدًا عن الاستقطاب السياسي والقبلي والجهوي الذي أضعف الدولة ومزق المجتمع.
ولأن الإدارات الأهلية تمثل امتدادًا لتاريخ السودان الاجتماعي، فقد ظلت عبر العقود تلعب أدوارًا عظيمة في إطفاء نار الفتن، واحتواء النزاعات، وإصلاح ذات البين، وجمع الكلمة، مستندة إلى الحكمة والخبرة والقبول الشعبي. ولذلك فإن أي مشروع لإعادة بناء السودان بعد الحرب لا يمكن أن ينجح دون أن تكون الإدارة الأهلية شريكًا أساسيًا فيه.
واليوم، وبعد مرور الوقت، تثبت الأحداث صحة هذه الرؤية. فقد جاء مؤتمر الصلح المجتمعي بين مكونات ولاية سنار، برعاية السيد رئيس مجلس السيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان، وبإشراف رئيس مجلس الوزراء الدكتور كامل إدريس، ليؤكد أن الإدارة الأهلية استعادت مكانتها الطبيعية، وأن الدولة نفسها باتت تدرك أهمية هذا الدور في تحقيق السلم المجتمعي وتعزيز وحدة الصف الوطني.
إن نجاح مؤتمر سنار ليس نجاحًا لولاية سنار وحدها، بل هو رسالة إلى كل ولايات السودان بأن المصالحات المجتمعية هي الطريق الأقصر لتجاوز آثار الحرب، وأن القيادات الأهلية تمتلك من الحكمة والقبول والخبرة ما يؤهلها لقيادة جهود الإصلاح الاجتماعي وإعادة الثقة بين أبناء الوطن.
ومن هذا المنطلق، فإنني أجدد الدعوة إلى تعميم هذه التجربة في جميع ولايات السودان، مع تمكين الإدارات الأهلية من أداء دورها الوطني، وإشراكها في ملفات السلم المجتمعي، وعودة النازحين واللاجئين، ومعالجة آثار الحرب، ورتق النسيج الاجتماعي الذي تعرض لاختبارات قاسية خلال السنوات الماضية.
رسالة إلى قيادة الدولة
إن ما تحقق في مؤتمر الصلح المجتمعي بولاية سنار يجب ألا يكون محطة عابرة، بل بداية لمشروع وطني شامل يعيد للإدارة الأهلية مكانتها ودورها في ترسيخ السلم المجتمعي في جميع أنحاء السودان.
ومن هنا، فإننا نوجه رسالة إلى السيد رئيس مجلس السيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان، وإلى رئيس مجلس الوزراء الدكتور كامل إدريس، بأن المرحلة المقبلة تتطلب تحويل المصالحات المجتمعية إلى برنامج وطني دائم، تُسخَّر له الإمكانات، وتُمنح فيه الإدارات الأهلية المساحة الكافية لأداء رسالتها التاريخية في حماية المجتمع وتعزيز الاستقرار.
لقد أثبتت التجربة أن الإدارة الأهلية ليست منافسًا لمؤسسات الدولة، وإنما شريك أصيل في بناء السلام، وإطفاء نيران الفتن، وتعزيز قيم التسامح والتعايش، وحماية وحدة السودان. وإن استثمار هذا الرصيد الوطني سيكون من أهم عوامل نجاح مرحلة إعادة الإعمار، ليس بإعادة بناء المدن وحدها، وإنما بإعادة بناء الإنسان السوداني وترميم جسور الثقة بين أبناء الوطن.
إن السودان اليوم أحوج ما يكون إلى مبادرات تجمع ولا تفرق، وتبني ولا تهدم، وتغلب صوت الحكمة على لغة الصراع. وستظل مبادرة لمّ شمل أهل السودان عبر بوابة الإدارة الأهلية مشروعًا وطنيًا مفتوحًا لكل المخلصين، لأنها تنطلق من إيمان عميق بأن قوة السودان في وحدة شعبه، وأن استقراره يبدأ من مجتمعه.
والتاريخ لا يخلّد من أشعلوا الخلافات، وإنما يخلّد الذين جمعوا الناس على كلمة سواء، وحفظوا للوطن وحدته وكرامته. وسيبقى السودان، بإذن الله، وطنًا واحدًا يسع جميع أبنائه إذا صدقت النوايا، وتقدمت المصلحة الوطنية على كل المصالح الضيقة.
الاربعاء ٨يوليو٢٠٢٦
مبادرة الهام سالم منصور
عبدالله الشريف عثمان
لم شمل اهل السودان عبر بوابة الادارة الأهلية
مشاركة الخبر علي :