بقلم د.سعاد فقيري التعدين الأهلي في السودان... ثروة تُهدر وصحة تُدمَّر وسيادة تُستباح
يمتلك السودان واحداً من أكبر احتياطيات الذهب والمعادن في إفريقيا، وكان من الممكن أن يصبح قطاع التعدين قاطرةً للاقتصاد الوطني ومصدراً رئيسياً لدعم العملة الوطنية وتمويل التنمية.
إلا أن الواقع يكشف عن مفارقة مؤلمة؛ فبدلاً من أن يكون التعدين باباً للازدهار، تحول في كثير من مناطقه إلى مصدر للفوضى، واستنزاف للثروة، وتهديد مباشر لصحة الإنسان والبيئة والأمن القومي.
لقد أصبح التعدين الأهلي أو التقليدي يمارس في مساحات واسعة خارج إطار التنظيم المؤسسي الكامل، مع استخدام مواد شديدة الخطورة مثل الزئبق والسيانيد، وهي مواد تلوث التربة والمياه والهواء، وتؤدي إلى أمراض خطيرة تشمل السرطان، والفشل الكلوي، والتشوهات الخلقية، واضطرابات الجهاز العصبي.
ولا يقف الضرر عند العاملين في المناجم، بل يمتد إلى القرى والمزارع ومصادر المياه التي يعتمد عليها آلاف المواطنين.
وفي الجانب الاقتصادي، تمثل هذه الفوضى نزيفاً حقيقياً للاقتصاد السوداني.
فكميات كبيرة من الذهب تخرج عبر التهريب، فلا تستفيد منها الخزينة العامة، ولا تدخل حصائلها إلى الجهاز المصرفي، مما يحرم الدولة من مليارات الدولارات التي يمكن أن تسهم في استقرار سعر الصرف، وتمويل الخدمات، وإعادة الإعمار بعد الحرب.
إن السؤال الذي يفرض نفسه هو: لماذا لا يكون التعدين تحت إشراف الدولة بالكامل؟
إن الدول التي نجحت في إدارة ثرواتها المعدنية لم تترك استخراج الذهب للأفراد دون ضوابط، وإنما اعتمدت على شركات وطنية وأجنبية مؤهلة، تعمل وفق عقود واضحة، ورقابة صارمة، ومعايير بيئية وصحية دقيقة، مع ضمان حقوق المجتمعات المحلية.
وفي السودان، يمكن للدولة أن تتبنى نموذجاً أكثر كفاءة يقوم على:
حصر عمليات التعدين في شركات مرخصة ذات كفاءة فنية ومالية.
إنشاء شركة وطنية كبرى تقود قطاع التعدين بالشراكة مع المستثمرين.
منع استخدام الزئبق والسيانيد إلا داخل مصانع مركزية مطابقة للمواصفات العالمية.
شراء الدولة لكل إنتاج الذهب عبر البنك المركزي بأسعار مجزية تمنع التهريب.
إنشاء شرطة متخصصة لحماية المناجم ومكافحة تهريب الذهب.
استخدام التقنيات الحديثة في الرقابة والتتبع والإنتاج.
تخصيص نسبة من عائدات التعدين لتنمية المجتمعات المحلية المتأثرة بالنشاط التعديني.
فرض عقوبات رادعة على المهربين والمتاجرين بالمواد السامة خارج القانون.
إن تنظيم التعدين لا يعني حرمان المواطنين من مصادر رزقهم، بل يعني نقلهم من العمل العشوائي والخطر إلى فرص عمل آمنة داخل شركات منظمة، توفر التدريب، والتأمين الصحي، والحقوق الوظيفية، وتحافظ في الوقت نفسه على ثروة الوطن.
لقد آن الأوان لأن ينظر السودان إلى الذهب باعتباره مورداً استراتيجياً لا يقل أهمية عن النفط أو الأمن القومي.
فكل جرام يُهرَّب هو خسارة للوطن، وكل قطرة زئبق تُلقى في البيئة هي خطر على الأجيال القادمة.
إن بناء السودان الجديد يبدأ بحسن إدارة موارده، ولن يتحقق ذلك إلا عندما تصبح ثرواته تحت سيادة الدولة، ورقابتها، وإدارتها الرشيدة، بعيداً عن الفوضى والتهريب والاستغلال.
فالذهب ملك للشعب السوداني، وحمايته مسؤولية الدولة، واستثماره الصحيح هو الطريق إلى اقتصاد قوي، وعملة مستقرة، ووطن ينهض بثرواته لا بثروات غيره.
مشاركة الخبر علي :